منذ الإعلان عن الدفعة الأولى من دعم مهنيي النقل، والتي بدأ صرفها يوم الخميس 2 أبريل، لم تر الحكومة في أي لحظة ضرورة لنشر تفاصيل المبالغ المخصصة حسب مختلف أصناف النقل (سيارات الأجرة، الحافلات، الشاحنات، وغيرها).
ومؤخرا، يوم الخميس 16 أبريل، وعند الإعلان عن الشطر الثاني مع زيادة بنسبة 25%، امتنعت وزارة التجهيز عن نشر القيم القديمة والجديدة. هذا الغموض المستمر في تدبير الدعم العمومي لم يمر دون إثارة الانتباه.
وخلال الندوة الصحفية التي أعقبت مجلس الحكومة يوم 26 مارس، كان الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، قد أكد أن الحكومة استخلصت الدروس من موجات الدعم السابقة ما بين 2022 و2024، بل وتحدث عن تغيير في المقاربة، عبر اعتماد دعم مرتبط بالاستهلاك الفعلي، بقيمة 3 دراهم لكل لتر من الوقود.
هذه التصريحات، أوحت بإصلاح عميق للمنظومة، عبر الانتقال من نظام قائم على حمولة الشاحنات إلى آلية أكثر دقة تعتمد على النشاط الفعلي للمهنيين.
غير أن الواقع لم يشهد أي تغيير، حيث استفاد المهنيون من نفس المبالغ التي تم صرفها خلال الفترة ما بين 2022 و2024.

وبذلك، اختارت الحكومة الاستمرارية، إن لم نقل السهولة، على حساب دقة استهداف الإنفاق العمومي. إذ إن شروط الاستفادة الحالية لا تزال غير مرتبطة بالنشاط الفعلي، بل تعتمد على حمولة المركبات، وليس على عدد الكيلومترات المقطوعة أو كمية الوقود المستهلكة.
وقد أدى نمط الاحتساب هذا إلى ظهور تأثيرات انتهازية، حيث يمكن لبعض المهنيين إبقاء مركباتهم متوقفة مع الاستفادة من الدعم، الذي قد يصل إلى 7000 درهم لكل مركبة، سواء كانت في حالة نشاط أم لا. بل وقد يساهم هذا الوضع أحيانا في خلق توترات في العرض ونقص في بعض أصناف وسائل النقل. وبسبب غياب الاستهداف، يميل الدعم العمومي بذلك إلى تغذية شكل من أشكال الريع.
وفي هذا السياق، يفرض سؤال نفسه: ما هي الدروس التي استخلصتها الحكومة حقا من التجربة السابقة التي كلفت قرابة 7 مليارات درهم بين مارس 2022 وفبراير 2024؟ ولماذا تم التخلي عن خيار الدعم المرتبط بالاستهلاك الذي قدم كخيار أكثر عدلا؟
على منصة التسجيل «مواكبة نقل»، التي أُحدثت لتدبير الدعم، لا يُطلب من المهنيين التصريح لا بعدد الكيلومترات المقطوعة ولا بكمية الغازوال المستهلكة، بل يقتصر الأمر فقط على نوع المركبة وحمولتها.
ومع ذلك، تتوفر الدولة على وسيلة لتقدير الاستهلاك الفعلي عبر النظام الجبائي، إذ يخضع الوقود المستعمل في النقل للضريبة على القيمة المضافة مع حق الخصم، وهو مكسب تحقق بعد مطالبات طويلة من طرف فيدرالية النقل واللوجستيك التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، خلال إصلاح قانون الضريبة على القيمة المضافة 30-86.
ويُطلب من المهنيين سنويا، ضمن تصريحاتهم الجبائية، تقديم معطيات دقيقة تشمل عدد الكيلومترات المقطوعة، كمية الوقود المستهلكة، وعدد المركبات.
ويؤكد خبير محاسب بالدار البيضاء أن «من لا يصرح يعرض نفسه لتدقيق ضريبي ولا يمكنه الاستفادة من الحق في الخصم».
وبالتالي، فإن الإدارة تتوفر، من خلال التصريحات المقدمة في فبراير 2026، على بيانات حول استهلاك المهنيين خلال سنة 2025.
غير أن عائقا كبيرا لا يزال قائما، ويتمثل في أن ما بين 40% و60% من قطاع نقل البضائع يشتغل في إطار غير مهيكل، ما يجعله خارج الالتزامات الجبائية وخارج أي تتبع.
وبالتالي، فإن الاعتماد فقط على المعطيات الجبائية سيؤدي إلى إقصاء جزء مهم من القطاع، خاصة بعض الأنشطة الحساسة كالنقل القروي (النقل المزدوج، نقل الفواكه والخضروات من المزارع، إلخ) التي تكتسي صبغة اجتماعية قوية.
وعند سؤال وزارة التجهيز عن سبب التخلي عن خيار «3 دراهم للتر»، لم تقدم جوابا، وأحالت الموضوع على الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية.
كما يثير هذا الغموض تساؤلات حول دور وزارة النقل، الوصية على القطاع، علما أن غياب وزيرها عبد الصمد قيوح عن الاجتماع الحكومي ليوم 17 مارس المخصص لإطلاق الدفعة الأولى لم يمر دون ملاحظة.

ويرى البعض أن السبب يعود إلى كلفة هذا الخيار على الميزانية. فالدعم المرتبط بالاستهلاك سيكون أكثر تكلفة على المالية العامة بشكل ملحوظ.
ويوضح مهني قائلا: «شاحنة مقطورة تقطع 10.000 كلم شهريا تستهلك في المتوسط 35 لترا لكل 100 كلم، أي حوالي 3.5 طن من الغازوال شهريا ، ستحصل على دعم يقارب 10.000 درهم، مقابل 6.000 درهم حاليًا وفق نظام الحمولة.
كما أن تفاوت النشاط بين المهنيين يعقد المسألة، فبعضهم يشتغل في الموانئ أو المدن ويقطع مسافات قصيرة، بينما يقطع آخرون مسافات طويلة جدا. وبالتالي، فإن اعتماد الاستهلاك كمعيار سيزيد الفوارق بين الفئات.
ويقول «إذا استندنا إلى تصاريح الضريبة على القيمة المضافة، فإن ناقلي الموانئ سيحصلون على مبالغ زهيدة مقارنة بغيرهم، في حين أن هذا الجزء من القطاع يمتلك قوة ضغط كبيرة وسبق له أن عطل أو شل النشاط المينائي للدفاع عن مصالحه».
ومن جهة أخرى، يرى عضو في جمعية مهنية أن ربط الدعم بتقديم فواتير الوقود سيؤدي إلى انخفاض كبير في الكلفة الإجمالية للدولة، التي قد لا تتجاوز 15% من 648 مليون درهم المخصصة للشطر الأول، رغم أن هذا المبلغ مرشح للارتفاع بنسبة 25% مع الشطر الثاني، خاصة بعد ارتفاع أسعار الغازوال إلى حوالي 15.5 درهم للتر.
وفي ظل مخاوف من ارتفاع أسعار النقل وما قد يترتب عنه من تضخم، يبدو أن الحكومة تفضل الحفاظ على نظام دعم واسع، حتى وإن كان غير دقيق، مع إدماج القطاع غير المهيكل ضمن المستفيدين.
وتبقى هناك نقطة غامضة، إذ لم يتم إصدار أي بلاغ رسمي حول تقييم برنامج المساعدة هذا، ولا حول آليات الرقابة المحتملة. ولا يوجد اليوم ما يسمح بالتحقق مما إذا كان المستفيدون قد استهلكوا الغازوال بالفعل.
في ظل غياب الشفافية والاستهداف، يظل الدعم العمومي متأرجحا بين الضرورات الاجتماعية والحسابات السياسية.
وأخيرا، يظل السؤال مطروحا حول مشروع القانون المتعلق بربط أسعار النقل بتطور أسعار الغازوال، الذي وعدت به نفس هذه الحكومة خلال أزمة 2022؟، فرغم إعداد نص قانوني في عهد الوزير السابق محمد عبد الجليل، إلا أنه ظل حبيس الرفوف لأربع سنوات دون أي تفسير رسمي حتى الآن.
