تشريعيات 2026: خارطة برلمانية جديدة وسيناريوهات مفتوحة لتشكيل التحالف الحكومي

المهدي بنسعيد وفوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري

في 24/09/2026 على الساعة 19:16

أفرزت الانتخابات التشريعية المجراة يوم 23 شتنبر إعادة تشكيل عميقة للمشهد السياسي المغربي؛ إذ انتزع حزب الأصالة والمعاصرة الصدارة بحصوله على 97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار (66 مقعدا)، وحزب الاستقلال (65 مقعدا)، والعدالة والتنمية (54 مقعدا)، وفق النتائج الرسمية المؤقتة التي كشف عنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت صباح الخميس 24 شتنبر.

ورسمت هذه الحصيلة موازين قوى مغايرة داخل مجلس النواب، اتسمت بهبوط حاد لحليفي التحالف المنتهية ولايته، «الأحرار» و«الاستقلال»، في مقابل عودة لافتة لحزب العدالة والتنمية إلى قلب المعادلة التشريعية.

وارتقى «الجرار» برصيده البالغ 97 مقعدا من المركز الثاني إلى المركز الأول مقارنة باقتراع 2021 حين حاز 87 نائبا. في المقابل، تراجع التجمع الوطني للأحرار، متصدر انتخابات 2021 بـ102 مقعدا، ليستقر عند 66 نائبا فقط، بينما انحدر حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا.

الهيئة السياسية20212026الفارق
حزب الأصالة والمعاصرة (PAM)8797+10
التجمع الوطني للأحرار (RNI)10266-36
حزب الاستقلال (Istiqlal)8165-16
حزب العدالة والتنمية (PJD)1354+41
الحركة الشعبية (MP)2829+1
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP)3426-8
حزب التقدم والاشتراكية (PPS)2219-3
الاتحاد الدستوري (UC)1817-1
الحركة الديمقراطية الاجتماعية (MDS)58+3
تحالف فيدرالية اليسار (Alliance de la gauche)18+7
جبهة القوى الديمقراطية (FFD)32-1
حزب الإنصاف (Parti de l’Équité)--2+2
حزب الديمقراطيين الجدد (PND)--1+1
حزب الوحدة والديمقراطية (PUD)--1+1
الحزب الاشتراكي الموحد (PSU)1---1
المؤتمر الوطني الاتحادي (CNI)1---1
المجموع395395--

وتجلى التحول الأبرز في مسار حزب العدالة والتنمية؛ فبعد اندحاره التاريخي إلى 13 مقعدا في انتخابات 2021، قفز «المصباح» إلى 54 مقعدا، مسترجعا وزنا برلمانيا محوريا يتيح له التأثير المباشر في تشكيل الأغلبية.

وتوزعت بقية مقاعد الغرفة الأولى على باقي الفرقاء؛ إذ نالت الحركة الشعبية 29 مقعدا مقابل 28 مقعدا في 2021، وتراجع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 34 إلى 26 مقعدا، وهبط التقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا. وحصد الاتحاد الدستوري 17 مقعدا، فيما حاز كل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية وفيدرالية اليسار 8 مقاعد لكل منهما. وبلغ رصيد كل من جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف مقعدين، وظفر حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية بمقعد واحد لكل تنظيم، لتتقاسم 14 هيئة سياسية المقاعد الـ395 المشكلة لمجلس النواب.

حسابات الأغلبية وتحديات التوافق

تمنح لغة الأرقام الصرفة التحالف الحكومي المنتهية ولايته إمكانية التجديد بأغلبية مريحة؛ إذ يبلغ مجموع مقاعد «الأصالة والمعاصرة» و«الأحرار» و«الاستقلال» 228 مقعدا، متجاوزا النصاب القانوني للأغلبية المطلقة البالغ 198 مقعدا بفارق 30 مقعدا.

غير أن هذه المعطيات الرقمية تصطدم بواقع سياسي شديد التباين عن أجواء سنة 2021. فقد تموقع حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة المشهد، بينما خسر حليفه السابق التجمع الوطني للأحرار 36 مقعدا، بالتزامن مع التصدع العميق الذي أصاب الثقة المتبادلة بين الحزبين خلال الأسابيع السابقة للاستحقاق.

واشتعلت أجواء الحملة الانتخابية بتبادل لافت للاتهامات بين طرفي الائتلاف السابق؛ حيث هاجم التجمع الوطني للأحرار أواخر شهر غشت ما اعتبره استقطابا غير نزيه لمنتخبيه وقياداته الإقليمية لصالح «الجرار»، وهي العمليات التي طالت حتى عضوا بمكتبه السياسي.

وزادت حدة الاستقطاب إثر تسريب تسجيل صوتي منسوب لرشيد الطالبي العلمي، هاجم فيه ضمنا، وخلال لقاء لقيادة حزبه، فوزي لقجع الملتحق حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، مصرحا بأن حقيبة الاقتصاد والمالية لن تكون في متناوله بدعوى أن الوزارة «لها من يشغلها»، في إشارة إلى نادية فتاح.

وعلى الجانب الآخر، رسم قادة «البام» حدودا صارمة تجاه «الحمامة» قبل انطلاق الاقتراع؛ إذ أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري رفضها المشاركة في حكومة يرأسها التجمع الوطني للأحرار، وهو التوجه ذاته الذي أكده محمد مهدي بنسعيد باستبعاد أي ائتلاف يقوده الحليف السابق.

ورغم أن تصريحات القياديين ربطت الفصل النهائي بقرارات الأجهزة التقريرية للحزب وعلى رأسها المجلس الوطني، فإن مفرزات الصناديق بدلت طبيعة المعادلة؛ فالأحرار لم يظفر بالمرتبة الأولى، بل جاء وصيفا خلف «البام» الحائز على 97 مقعدا.

ولا تشكل تلك المواقف وحدها حاسما نهائيا لشكل التحالف القادم، لكنها تمثل عاملا ضاغطا ومؤثرا في توجيه المشاورات التي ستنطلق قريبا لفرز الأغلبية المسيرة.

سيناريوهات مفتوحة وأوراق ضغط جديدة

يظل سيناريو التمديد للثلاثي المشكل من «البام» و«الأحرار» و«الاستقلال» قائما على الورق برصيد 228 مقعدا، بيد أن التوترات المتراكمة والمواقف المعلنة تجعل تحقيق هذا المسار سياسيا أكثر تعقيدا من مجرد جمع حسابي للمقاعد.

وتبرز على الطاولة سيناريوهات بديلة متعددة؛ فتحالف ثلاثي يجمع «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال» و«العدالة والتنمية» يوفر أغلبية مريحة قوامها 216 مقعدا، بينما يؤمن تحالف يضم «البام» و«الأحرار» و«البيجيدي» ما مجموعه 217 نائبا.

ويغير صعود حزب العدالة والتنمية من ترتيبات التفاوض، بعدما قفز برصيده من 13 إلى 54 نائبا، مما يمنحه وزنا برلمانيا يجعله شريكا ممكنا في تراكيب ائتلافية متعددة.

ويعزز هذا الاحتمال اتسام العلاقات بين قيادتي «البام» و«البيجيدي» بالهدوء خلال الحملة، خلافا للصراع المحتدم بين حليفي الأغلبية السابقة؛ إذ نوه عبد الله بووانو في ظهور تلفزيوني بمؤهلات فوزي لقجع، بينما كرر عبد الإله بنكيران إعرابه عن تقديره لكفاءة وزير الميزانية، رغم توجيهه انتقادات سياسية حادة لتنظيم الأصالة والمعاصرة.

ولا يعد هذا التناغم مفاجئا؛ فقد ربطت لقجع علاقات عمل سلسة بنواب «المصباح» داخل لجان البرلمان خلال دفاعه عن مشاريع قوانين المالية، وشهدت محطات سابقة تصويت نواب العدالة والتنمية لصالح بعض التعديلات والتدابير الحكومية المقترحة.

وفي مقابل هذه السيناريوهات، تبرز قيود يفرضها إشهار الخطوط الحمراء بين بعض الهيئات؛ حيث جزم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية باستبعاد أي تواجد حكومي مع العدالة والتنمية، الأمر الذي يضيق هوامش التحالفات الموسعة ويقيد خيارات جمع الكتلتين.

موقع حزب الاستقلال وترتيبات الفصل 47

يحتفظ حزب الاستقلال بموقع محوري في الخارطة الجديدة بكتلته المكونة من 65 نائبا، وهو ثقل عددي يجعله ركيزة لا غنى عنها في أغلب التوليفات المطروحة لبناء الأغلبية.

واعتمد «الميزان» نهج الانفتاح على مختلف القوى الحزبية دون إعلان مواقف إقصائية، ما يمنحه وضعية مريحة في المحادثات المنتظرة فور انطلاق مسار تشكيل الحكومة.

ولا يرتبط التوافق المقبل بالحسابات العددية فحسب، بل يتوقف على الانسجام البرامجي والسياسي؛ وهو المطلب الذي شدد عليه نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، بضرورة بناء أي ائتلاف على قاعدة تعاقدية واضحة والتزامات مشتركة قبل توزيع الحقائب.

وينص الفصل 47 من الدستور على تكليف الملك لرئيس الحكومة من صفوف الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وهو ما يضع حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا في واجهة تدبير المشهد السياسي.

ولكون «الجرار» لا يملك أغلبية مطلقة منفردة، يغدو تشكيل الحكومة معلقا بمدى قدرته على صياغة تفاهمات متينة، مع اختبار مدى صمود الخطوط الحمراء التي رفعتها الأحزاب أمام ضرورات الواقع السياسي الجديد.

تحرير من طرف وديع المودن
في 24/09/2026 على الساعة 19:16