فبعد عشرة أيام فقط من المهرجان الذي ترأسه الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، إلى جانب مولاي حمدي ولد الرشيد، رئيس جماعة العيون والقيادي في الحزب، أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية حجم التعبئة السياسية التي عرفتها مدينة العيون، حيث حصل حزب الاستقلال، وفق النتائج الرسمية الأولية، على نحو 52 ألف صوت، في مقابل أزيد من 60 ألف مشارك في تجمعه الجماهيري.
وتكتسي المقارنة بين الرقمين دلالة سياسية وتنظيمية لافتة، إذ يعادل الرصيد الانتخابي للحزب نحو 87 في المائة من عدد المشاركين المعلن عنه في التجمع، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن الأشخاص أنفسهم هم من حضروا المهرجان وصوتوا للحزب.
ويعكس هذا التقارب العددي قدرة حزب الاستقلال في الصحراء على تحويل التعبئة الجماهيرية إلى حضور انتخابي، كما يبرز الوزن الذي يتمتع به الحزب في العيون، بقيادة مولاي حمدي ولد الرشيد، ضمن المشهد السياسي بالصحراء المغربية.
مشاركة انتخابية قوية في العيون-الساقية الحمراء
وتعزز أرقام المشاركة الانتخابية هذا التحليل، خصوصا أن العيون سجلت إقبالا مرتفعا على صناديق الاقتراع مقارنة بالمعدل الوطني.
فقد بلغت نسبة المشاركة في إقليم العيون 71 في المائة في الاحصائيات المؤقتة دوما، فيما سجلت جهة العيون-الساقية الحمراء، في التوقيت نفسه، نسبة 68,79 في المائة.
غير أن النتائج النهائية التي أعلن عنها وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، كشفت ارتفاع نسبة المشاركة بجهة العيون-الساقية الحمراء إلى 77 في المائة، مقابل 53,48 في المائة بجهة كلميم-واد نون و61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى أن نسبة المشاركة على المستوى الوطني لم تتجاوز 38,08 في المائة، مقابل 50,86 في المائة سنة 2021 و42,27 في المائة سنة 2016.
وبذلك، تجاوزت المشاركة بجهة العيون-الساقية الحمراء المعدل الوطني بنحو 39 نقطة مئوية، في مؤشر على اختلاف مستوى التعبئة الانتخابية بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة.
وكان لفتيت قد اعتبر أن الإقبال الكثيف للمواطنين على صناديق الاقتراع بالأقاليم الجنوبية يشكل دليلا على تشبثهم بمغربيتهم وانخراطهم في المؤسسات التمثيلية.
من تجمع هزّ البوليساريو إلى صناديق الاقتراع
ويعيد هذا المشهد الانتخابي إلى الواجهة التجمع الذي نظمه حزب الاستقلال بالعيون، والذي أثار ردود فعل سياسية وإعلامية تجاوزت الحدود الوطنية، خصوصا لدى جبهة البوليساريو وفي الجزائر.
فقد سارعت الجبهة، عقب التجمع، إلى إصدار بلاغ هاجمت فيه تنظيم الانتخابات بالصحراء، ووصفت أرقام المشاركة بأنها «مبالغ فيها»، كما تحدثت عن «انتخابات مزورة» و«مسرحيات دعائية سيئة الإخراج». نسبة المشاركة في الصحراء وعدد الأصوات التي حصل عليها حزب الاستقلال عادت لتحرج البوليساريو من جديد ومن يدور في فلكها. سقط وهو تمثيل الصحروايين الذي تزعمه البوليساريو. الأصوات أصدق أنباء من مزاعم البوليساريو.
وجاء ذلك في أعقاب الحضور الجماهيري الكبير الذي أظهره حزب الاستقلال، في وقت تتمسك فيه البوليساريو بخطاب تقديم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للصحراويين.
واليوم، وبعد إعلان النتائج الانتخابية، لم يعد النقاش مقتصرا على صور الحشود في الشوارع والساحات، بل انتقل إلى الأرقام المسجلة داخل صناديق الاقتراع.
فالمشاركة التي بلغت 77 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء، إلى جانب الحضور الانتخابي لحزب الاستقلال، تقدم معطيات جديدة بشأن المشاركة السياسية للصحراويين داخل المؤسسات المنتخبة المغربية.
وتبرز هذه المعطيات أهمية التمثيلية الحزبية والانتخابية في النقاش المتعلق بمستقبل المنطقة، في مقابل الخلاف السياسي القائم حول ادعاء البوليساريو احتكار «تمثيل الصحراويين».
حزب الاستقلال ورهان تنزيل الحكم الذاتي
وتعيد النتائج الانتخابية كذلك تسليط الضوء على الرسالة المركزية التي وجهها نزار بركة خلال تجمع العيون، عندما أكد أن «الحكومة المقبلة ستكون حكومة تنزيل الحكم الذاتي»، مشددا على أن «العيون مع حزب الاستقلال وستبقى مع حزب الاستقلال».
ولم يقتصر خطاب الأمين العام للحزب على التعبئة الانتخابية، بل ربط المرحلة المقبلة بضرورة توفير الشروط الاقتصادية والتنموية لتنزيل الحكم الذاتي، من خلال تعزيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتقوية المقاولات المحلية.
وفي هذا الإطار، طرح بركة اعتماد الأفضلية الجهوية في الصفقات العمومية، وتوسيع ميناء العيون، ودعم مشاريع تحلية المياه والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
ومن جهته، وضع مولاي حمدي ولد الرشيد تشغيل الشباب في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، مع الدعوة إلى اعتماد تحفيزات وإعفاءات جبائية لتشجيع الاستثمار بالجهة.
وتكشف هذه التصورات عن ارتباط الرهان السياسي لحزب الاستقلال بالصحراء بمشروع اقتصادي وتنموي، يتجاوز المنافسة الانتخابية نحو الإعداد لمتطلبات المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يطرح الحضور الانتخابي للحزب مسألة دور التنظيمات السياسية ذات الامتداد المحلي في تنزيل الحكم الذاتي، خصوصا من حيث التمثيلية الديمقراطية، وتدبير الشأن الجهوي، وتأهيل النخب المحلية، وربط المسؤولية السياسية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الاستقلال بين ثقله بالصحراء المغربية وحضوره الوطني
وعلى المستوى الوطني، حصل حزب الاستقلال على 65 مقعدا، وفق النتائج الأولية التي أعلن عنها وزير الداخلية، ليحتل المرتبة الثالثة بعد حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 97 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار، الذي نال 66 مقعدا.
وتضع هذه النتائج الحزب ضمن القوى البرلمانية الرئيسية في مجلس النواب المقبل، بالتوازي مع حضوره التنظيمي والانتخابي بالأقاليم الجنوبية.
وتبرز تجربة العيون، على وجه الخصوص، أهمية العلاقة بين القيادة الوطنية للحزب وامتداده المحلي، ممثلا في مولاي حمدي ولد الرشيد والمنتخبين والأطر الاستقلالية بالمنطقة.
فالتجمع الذي حشد أزيد من 60 ألف مشارك، ثم الرصيد الانتخابي الذي قارب 52 ألف صوت، يقدمان صورة عن قدرة الحزب على الجمع بين التعبئة الجماهيرية والعمل الانتخابي، في منطقة تكتسي أهمية خاصة في النقاش حول تنزيل الحكم الذاتي.
وبين تجمع 13 شتنبر واقتراع 23 شتنبر، سجل حزب الاستقلال حضورا جماهيريا وانتخابيا لافتا في العيون، فيما أظهرت نسبة المشاركة المرتفعة بجهة العيون-الساقية الحمراء حجم الانخراط في العملية الانتخابية.
وهكذا، انتقلت التعبئة من الساحات إلى صناديق الاقتراع، لتضع الحضور السياسي والتمثيلية الانتخابية للأقاليم الجنوبية في صلب النقاش حول المرحلة المقبلة وتنزيل الحكم الذاتي.