وجاء هذا القرار الصادر عن الهيئة القضائية برئاسة المستشار عز العرب أمزيان، ليضع حدا لمرحلة الاستئناف في قضية تعود وقائعها إلى فبراير من سنة 1993، حين شهد محيط المركب الجامعي ظهر المهراز بفاس أحداث عنف طلابي انتهت بمقتل الطالب القاعدي محمد بنعيسى آيت الجيد، بعد تعرضه رفقة زميله الخمار الحديوي لاعتداء جسدي عنيف، وفق المعطيات الواردة في الملف.
وكانت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس، برئاسة المستشار محمد لحية، قد أدانت حامي الدين بثلاث سنوات حبسا نافذا، بعد إعادة تكييف التهمة المنسوبة إليه إلى المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه.
وشهدت جلسة الاستئناف الأخيرة الخميس الماضي، نقاشا قانونيا مطولا، امتد نحو 13 ساعة، وتركز في بدايتها على الدفوع الشكلية التي تقدم بها دفاع حامي الدين، وفي مقدمتها الدفع بسبقية البت في القضية، والقول بغياب وقائع جديدة تبرر إعادة محاكمته، قبل أن تقرر الهيئة ضم هذه الدفوع إلى الجوهر ومواصلة مناقشة الملف.
وخلال الجلسة، استعرض عمر حلوي، دفاع حامي الدين المسار القضائي للقضية، بدءا من إدانته سنة 1994 من أجل المساهمة في مشاجرة نتجت عنها وفاة، مرورا بقراري النيابة العامة حفظ شكايتين تقدم بهما الطرف المدني سنتي 2012 و2013 استنادا إلى مبدأ سبقية البت، وصولا إلى الشكاية المباشرة التي تقدم بها حسن آيت الجيد سنة 2017.
في المقابل، تمسك دفاع عائلة آيت الجيد بأن المحاكمة تستند إلى وقائع جديدة تضمنها الملف، معتبرا أن الدفع بسبقية البت لا ينطبق على القضية، فيما قررت الهيئة القضائية، عقب الاستماع إلى حامي الدين ومرافعات الدفاع، حجز الملف للمداولة قبل أن تصدر حكمها زوال اليوم.
تفاصيل الإدانة الابتدائية وإعادة التكييف
وكانت غرفة الجنايات الابتدائية بالمحكمة ذاتها قد أصدرت، في 11 يوليوز 2023، حكما قضى بإدانة حامي الدين بثلاث سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم، إضافة إلى تعويض مدني لفائدة ذوي حقوق الضحية ودرهم رمزي لفائدة «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان».
وارتكزت الهيئة القضائية آنذاك على إعادة تكييف الأفعال المنسوبة إلى المعني، حيث أسقطت عنه جناية «المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد»، وأدانته بتهمة «المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه» وفقا للفصلين 129 و403 من القانون الجنائي، وهو الحكم الذي طعنت فيه كافة الأطراف بالاستئناف.
صراع الدفوع الشكلية وقوة الشيء المقضي به
وظل مبدأ «سبقية البت» النقطة المركزية التي رافع حولها دفاع المتابع طيلة أطوار الملف، منذ تفجر المتابعة مجددا إثر شكاية مباشرة تقدمت بها عائلة الطالب محمد بنعيسى أيت الجيد في يوليوز 2017 مدعومة بإفادة الشاهد الخمار الحديوي، والتي أعقبها قرار قاضي التحقيق في دجنبر 2018 بإحالة الملف على المحاكمة الجنائية.
وتمسك الدفاع باستمرار بعدم جواز محاكمة الشخص عن الفعل ذاته مرتين استنادا إلى قوة الشيء المقضي به، مذكرا بصدور حكم نهائي عن غرفة الجنايات بفاس في أبريل 1994 أدان حامي الدين بسنتين حبسا نافذا بتهمة «المشاركة في مشاجرة أدت إلى القتل» استوفاها بالكامل في سجن عين قادوس، فضلا عن حفظ النيابة العامة لشكاية مماثلة بين عامي 2012 و2013، واستفادته لاحقا من تعويض صادر عن «هيئة الإنصاف والمصالحة» بشأن انتهاكات طالت حريته.
وقائع الحرم الجامعي في ربيع 1993
وترجع الجذور الأولى للقضية إلى 25 فبراير 1993، إثر مواجهات طلابية عنيفة اندلعت بمحيط الحي الجامعي ظهر المهراز بفاس بين فصيل «الطلبة القاعديين» وفصائل من التيار الإسلامي.
وطوقت مجموعة طلابية سيارة أجرة كانت تقل الطالب القاعدي محمد بنعيسى أيت الجيد ورفيقه بحي سيدي إبراهيم، حيث تعرض لاعتداء جسدي خطير أفضى إلى وفاته داخل المستشفى متأثرا بجراحه، لتوقف الشرطة حينها حامي الدين أثناء خضوعه للعلاج بالمستشفى ذاته، وتنطلق أطول المساطر الجنائية التي عرفتها المحاكم المغربية والتي انتهت اليوم بإلغاء الإدانة وإسقاط المتابعة.
