أكد رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب «الحمامة»، ضمن التسجيل المتداول، أنه في حال احتفاظ حزبه برئاسة الحكومة بعد تشريعيات 23 شتنبر، فإن فوزي لقجع لن ينال حقيبة المالية، مشيرا إلى بقائها بين يدي نادية فتاح التي نعتها بـ«المقيمة» في المنصب. وتعكس هذه الخرجة، بغض النظر عن هجومها المباشر على الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، استماتة حزب الأحرار في تحصين هذا القطاع الاستراتيجي وإبقائه تحت نفوذه.
وتجاوز الرهان حدود التنافس الانتخابي الضيق؛ فخلف واجهة الصراع حول التزكيات وهجرة الأعيان والمنتخبين بين حليفي الأغلبية، ترتسم ملامح الترتيبات والتحالفات الحكومية المرتقبة لما بعد اقتراع شتنبر.
احتكار «تجمعي» يمتد لقرابة عقدين
تحتل وزارة الاقتصاد والمالية موقعا محوريا على رقعة الشطرنج السياسي بالمغرب. فمنذ سنة 2007، ظلت هذه الحقيبة الاستراتيجية حكرا على شخصيات تنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار أو تدور في فلكه، باستثناء مرحلة عابرة قادها نزار بركة بين سنتي 2012 و2013.
انطلق هذا المسار مع صلاح الدين مزوار إثر تعيينه وزيرا للاقتصاد والمالية في أكتوبر 2007، حيث كان حينها عضوا في المكتب السياسي لحزب الأحرار، واحتفظ بالمنصب حتى يناير 2012.
وتسلم محمد بوسعيد مقاليد الوزارة في أكتوبر 2013، بعد المرحلة الاستقلالية القصيرة لنزار بركة. وجاء بوسعيد، القيادي في حزب التجمع، بعدما راكم تجارب حكومية وترابية كوالٍ على جهتي سوس ماسة ثم الدار البيضاء الكبرى. وعقب مغادرته الطاقم الحكومي سنة 2018، عاد لقيادة الحزب منسقا جهويا بجهة الدار البيضاء-سطات، وهي المهمة التي يواصل أداءها حتى اليوم.
تولى محمد بنشعبون إدارة القطاع سنة 2018 خلفا لبوسعيد، قادما بدوره من الفلك التجمعي، إذ شغل هذا الخبير القادم من القطاع البنكي المنصب حتى سنة 2021.
وتقلدت نادية فتاح الحقيبة الوزارية منذ أكتوبر 2021، قادمة من قطاع التأمينات والقطاع الخاص، لتنضم إلى قيادات التجمع الوطني للأحرار عضوا في مكتبه السياسي.
كرست هذه المحطات، على امتداد قرابة عشرين سنة، هيمنة شخصيات مقربة من حزب «الحمامة» على وزارة الاقتصاد والمالية، دون أن يكسر هذا الامتداد سوى مرور نزار بركة بين 2012 و2013.
وزراء المالية المتعاقبون في المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي
| وزير المالية | الفترة |
|---|---|
| امحمد ساغو | 1993 - 1994 |
| مراد الشريف | 1994 - 1995 |
| محمد القباج | 1995 - 1997 |
| إدريس جطو | 1997 - 1998 |
| فتح الله ولعلو | 1998 - 2007 |
| صلاح الدين مزوار | 2007 - 2012 |
| نزار بركة | 2012 - 2013 |
| محمد بوسعيد | 2013 - 2018 |
| محمد بنشعبون | 2018 - 2021 |
| نادية فتاح | منذ 2021 |
عصب القرار الاقتصادي والمالي
لا يرتبط التنافس المحموم حول هذا القطاع برمزيته السياسية فحسب، بل يرتكز على إمساك وزارة الاقتصاد والمالية بأهم مفاصل التدبير العمومي، من إعداد وتنفيذ الميزانية، ورسم السياسات الجبائية، وإدارة الدين العام، وصولا إلى برمجة الاستثمارات العمومية، وتمويل الاقتصاد الوطني، وقيادة المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية.
ويشكل التحكم في دواليب هذه الوزارة، تبعا لهذه الصلاحيات الواسعة، رهانا سياسيا حاسما لأي هيئة تطمح إلى قيادة العمل الحكومي المقبل.
ويكتسي تصريح الطالبي العلمي، من هذا المنطلق، وزنا خاصا؛ إذ يعكس إصراره على استبعاد لقجع وتثبيت نادية فتاح رفضا مسبقا وقاطعا لأي مساومة قد يطرحها حزب الأصالة والمعاصرة غداة إعلان نتائج الصناديق.
صراع النفوذ وتوزيع المهام
تحمل وضعية فوزي لقجع حساسية استثنائية، نظرا لكونه ليس وافدا غريبا على دهاليز الوزارة، إذ يشغل منذ أكتوبر 2021 منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية لدى نادية فتاح.
ويمثل قطاع الميزانية ملعبه المهني الأصلي بصفته مفتشا للمالية؛ حيث تدرج في مديرية الميزانية وتولى إدارتها سنة 2011، مما أكسبه دراية دقيقة بكواليس الإعداد المالي، وتفاصيل التحكيم بين القطاعات الوزارية، ومساطر هندسة قوانين المالية.
وشكل التحاقه بالفريق الحكومي سنة 2021 امتدادا طبيعيا لمساره المهني داخل الإدارة المركزية، لدرجة احتفاظه بالمكتب ذاته الذي كان يدير منه مديرية الميزانية لسنوات، مواصلا مسيرة متمحورة بالكامل حول تدبير المالية العامة وميكانيزمات الدولة الميزانياتية.
أفرزت هذه الخلفية حضورا لافتا للقجع في النقاشات المالية، وكرست تقسيما فعليا للأدوار داخل الوزارة؛ فبينما ارتبطت نادية فتاح بالواجهة الاقتصادية والتمويلات الدولية والتنسيق مع صندوق النقد والبنك الدوليين، انفرد لقجع بالشق الميزانياتي، والتحكيمات الحساسة، والدفاع التقني عن مشاريع قوانين المالية أمام البرلمان.
وتعزز نفوذ لقجع بإشرافه على مديريات استراتيجية ذات طابع سيادي، مثل المديرية العامة للضرائب، والخزينة العامة للمملكة، وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، الأمر الذي رسخ حضوره كفاعل محوري في المفاصل العملياتية للوزارة.
أنتج هذا التوزيع الميداني انطباعا واسعا في الأوساط السياسية يرى في نادية فتاح وزيرة بحكم القانون، بينما يمارس فوزي لقجع مهام وزير المالية الفعلي، وهي قراءة وإن كانت تخالف البناء المؤسساتي للحكومة الذي يجعل من فتاح الوزيرة الأصيلة، إلا أنها تترجم الثقل الواقعي للقجع في حسم الملفات الكبرى.
بطاقة «البام» تخلط الحسابات
غير انضمام لقجع الرسمي إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز 2026 قواعد اللعبة برمتها؛ فبعدما كان تدرجه نحو رأس الوزارة يبدو مسارا طبيعيا لكفاءة إدارية راكمت خمس سنوات من التدبير الحكومي، أضحى اليوم فاعلا سياسيا يرتدي قميص المنافس المباشر للتجمع الوطني للأحرار.
وارتدت مسألة قيادة وزارة المالية، تبعا لذلك، طابعا حزبيا صرفا؛ إذ لم يعد استوزار لقجع مجرد ترقية إدارية أو حكومية، بل بات مكسبا سياسيا وازنا لحزب «الجرار».
ويفسر هذا التحول حدة الرسائل التي تضمنها تسجيل الطالبي العلمي، الذي سعى إلى إغلاق الباب مبكرا أمام أي سيناريو قد تفرضه المفاوضات الحكومية المقبلة.
طموح يتجاوز حقيبة المالية
تجاوزت التكهنات حدود وزارة المالية منذ إعلان لقجع انضمامه لـ«البام»، حيث يرى مراقبون أن طموحه قد يمتد لأبعد من ذلك، فاتحا الباب أمام فرضيات ترشيحه لأدوار قيادية متقدمة في الجهاز التنفيذي، وصولا إلى التطلع لرئاسة الحكومة.
ويجمع مسار لقجع أوراق قوة قلما توفرت لمسؤول واحد: خبرة إدارية طويلة، ومعرفة دقيقة بالمالية العامة، وتجربة حكومية ميدانية، وحضور دولي لافت من بوابة كرة القدم، قبل أن يعزز ذلك بامتداد حزبي داخل «البام».
وتزامن هذا الصعود مع مساعي حزب الأصالة والمعاصرة لتعزيز وزنه داخل الأغلبية المقبلة، وفرض نفسه كقطب موازن بعد تشريعيات شتنبر.
وتحولت حقيبة المالية، ضمن هذه المعادلة، إما إلى هدف قائم بذاته أو محطة مرحلية في مسار سياسي أكثر طموحا.
وتكشف بيانات «الأحرار» الهجومية ضد استقطاب المرشحين، وتطويق «البام» لقواعد اللعبة بانضمام لقجع، وتسريبات الطالبي العلمي، عن صراع يتجاوز حصد المقاعد في الدوائر الانتخابية نحو رسم خرائط النفوذ الحكومي لما بعد 23 شتنبر.
ويخوض الحليفان معركة استباقية؛ فالأحرار يسعى للحفاظ على موقعه المهيمن وحماية حقائبه السيادية، بينما يخطط «البام» لترجمة استقطاباته ونتائجه إلى قوة تفاوضية ترجح كفته عند تشكيل الفريق الحكومي.
وتغدو وزارة الاقتصاد والمالية، وسط هذا التدافع، أول مقياس حقيقي لموازين القوى المقبلة، لتصبح المسألة أبعد من هوية وزير المالية القادم، بل ترتبط بتحديد الموقع الذي يسعى فوزي لقجع لشغله في المشهد السياسي المغربي بعد شتنبر المقبل.
