ويرتكز المشروع على خمس تعاقدات استراتيجية وعشرين التزاما عمليا تضع القدرة الشرائية للطبقات الاجتماعية والشباب في صلب الأولويات.
وتصدرت الوثيقة تدابير لافتة تشمل إعفاء الأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للتقاعد إلى 3000 درهم، إلى جانب إحداث مليون منصب شغل صاف.
ثورة جبائية لدعم القدرة الشرائية
ينطلق البرنامج من مسعى معلن لتجاوز الفجوة القائمة بين الأوراش التنموية الكبرى وأثرها على المعيش اليومي للمواطنين. وفي هذا الصدد، يستهدف الحزب إعادة صياغة مفهوم الدولة الاجتماعية، بالانتقال من منطق توزيع الإعانات المباشرة إلى فرض تنظيم استباقي للسوق ومراقبة أداء المرافق العمومية.
واستأثر التعاقد الأول بنصيب الأسد من الاعتمادات، بغلاف مالي يصل إلى 150 مليار درهم طيلة الولاية التشريعية، ليمثل بذلك الورش المالي الأثقل ضمن خارطة الطريق. ويروم هذا المجهود تحصين القدرة الشرائية عبر مسارين متوازيين يجمعان بين الرفع من الدخل والتحكم في النفقات اليومية للأسر.
وعلى صعيد الضرائب المباشرة، يشكل إصلاح الضريبة على دخل الأجراء النقطة المحورية في المنظومة الاجتماعية المقترحة. وتتجه الخطة إلى إلغاء الجدول التاريخي ذي الأشطر الستة وتعويضه بجدول مبسط يضم ثلاثة أشطر فقط، لتوفير سيولة فورية للطبقتين المتوسطة والهشة.
وبموجب هذا المقتضى، ستستفيد الرواتب الإجمالية التي لا تتجاوز 15 ألف درهم (نحو 12500 درهم صافية) من إعفاء ضريبي كلي، ما يحرر الغالبية الساحقة من أجراء القطاعين العام والخاص من اقتطاعات هذه الضريبة.
وفي المقابل، حدد المقترح نسبة اقتطاع عند 10 في المائة للشريحة المتراوحة بين 15 ألفا و46 ألف درهم إجمالية، بينما حُصر السقف الأعلى المحدد في 20 في المائة على أصحاب المداخيل المرتفعة.
أرضية دنيا للمساعدات المباشرة ومعاشات التقاعد
وبالتوازي مع هذه التهدئة الجبائية، يشهد نظام الحماية الاجتماعية مراجعة تصاعدية لمخصصاته. وفي هذا السياق، يقترح البرنامج إقرار أرضية دنيا للدعم الاجتماعي المباشر لا تقل عن 1000 درهم شهريا، مع رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد ليبلغ 3000 درهم شهريا كعتبة لا يمكن النزول تحتها.
ولدعم الفئات الأكثر هشاشة، يضمن المشروع مجانية استهلاك الكهرباء للأسر التي تقل فواتيرها الشهرية عن 100 درهم. ولتطويق غلاء المعيشة من المنبع، تتوخى الخطة التدخل في قنوات تحديد أسعار المواد الغذائية الأساسية عبر تحجيم هوامش الوسطاء والمضاربين، ومحاصرة اقتصاد الريع، مع تعزيز صلاحيات أجهزة ضبط الأسواق ومراقبتها.
إدماج سنوي لـ 300 ألف شاب خارج التعليم وسوق الشغل
ورصد الحزب للتعاقد الثاني اعتمادات بقيمة 50 مليار درهم لتجاوز المقاربات القطاعية المعزولة، عبر توحيد قيادة قطاعات التعليم والتكوين المهني وسوق الشغل.
وتضع هذه المبادرة فئة الشباب غير المنخرط في التعليم أو العمل أو التدريب في صلب اهتماماتها، عبر إرساء «مسار إدماج» مخصص ومواكبة رقمية تستهدف تسجيل 300 ألف شاب سنويا في منصة «مسار إدماج».
ويتضمن هذا الشق توسيع الطاقة الاستيعابية لمنظومة التكوين المهني لتبلغ بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا. ويتطلع المشروع تبعا لذلك إلى نشر 500 ألف مسار تكويني وإعادة تأهيل مهني موجهة للحاجيات الصاعدة داخل الاقتصاد.
وتعتمد مسارات تيسير الولوج إلى سوق الشغل على آلية «عقد العمل الأول»، لتمكين 500 ألف شاب من خوض تجربة مهنية أولى خلال الولاية الانتدابية.
وتحفيزا للمبادرة الحرة، وضعت خطة لمواكبة 60 ألف مقاولة ناشئة على مدى عامين، تشمل توفير خدمات الاحتضان، والضمانات البنكية، وتسهيل الولوج إلى الطلبيات العمومية.
حلول للسكن والحركية والتشغيل القروي
وتتكامل تدابير دعم استقلالية الشباب مع حلول عملية لمعضلتي الحركية والسكن. وفي هذا الصدد، يقترح الحزب إحداث صندوق عمومي لضمان الكراء لتوفير 100 ألف حل سكني، يشمل الشقق الصغرى وإقامات الشباب والفضاءات المشتركة بين سنتي 2027 و2031.
ويرفق هذا الإجراء بإطلاق «جواز الحركية المهنية» لتحمل نفقات تنقل 250 ألف مستفيد بين جهات المملكة، إلى جانب توقيع اتفاقيات ثنائية لتأطير 125 ألف فرصة عمل بالخارج في إطار نظامي. ولمواجهة نزيف الهجرة القروية، سيجري تخصيص 1.2 مليار درهم سنويا في هيئة قروض دون فوائد لتثبيت 80 ألف فلاح ومقاول شاب داخل مناطقهم الأصلية.
خفض البطالة إلى 7 في المائة بحلول 2031
ويحدد التعاقد الثالث، الممول بغلاف يبلغ 100 مليار درهم، معالم خطة خلق الثروة ودعم الإنتاج. ويأتي خفض معدل البطالة الوطني في صدارة الأهداف الماكرو-اقتصادية، بالنزول به من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة مع حلول سنة 2031، بالاعتماد على إحداث صاف لما لا يقل عن مليون منصب شغل مستدام في مختلف جهات المملكة.
وتتوزع هذه الدينامية التشغيلية على قطاعات استراتيجية واعدة. وتوفر أوراش التحضير لتنظيم كأس العالم 2030 وما يرتبط بها من بنيات تحتية الحصة الأكبر بنحو 360 ألف منصب شغل.
وتستوعب الخدمات ذات القيمة المضافة العالية والأنشطة الموجهة للتصدير 270 ألف منصب، في حين تسهم الصناعة الوطنية بتوليد 250 ألف منصب شغل صاف. كما يوفر القطاع الفلاحي والمقاولات القروية 80 ألف فرصة، إلى جانب 40 ألف منصب يتيحها اقتصاد الرياضة والترفيه.
تأهيل البنيات الصحية وتوفير السكن اللائق
وفي القطاع الصحي، يقترن تعميم التغطية الصحية الإجبارية لتشمل عموم المواطنين بنسبة 100 في المائة مع ترقية العرض العلاجي، من خلال إعادة تأهيل 1600 مركز صحي للقرب وتطوير 90 مستشفى إقليميا وجهويا. أما في قطاع الإسكان، فيستهدف البرنامج مواكبة 500 ألف أسرة لولوج سكن لائق، مع إيلاء اهتمام خاص للسكن القروي ومعالجة البؤر الآيلة للسقوط وغير اللائقة.
ودعما للنسيج الإنتاجي المحلي، يقترح الحزب التنصيص قانونيا على تخصيص حصة 15 في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وإعفاء الشركات الصغرى والمقاولات متناهية الصغر التي تحدث ثلاثة مناصب شغل على الأقل من الضرائب لخمس سنوات. ويتزامن ذلك مع العمل على رفع معدل نشاط النساء من 17.5 في المائة سنة 2026 إلى 21.2 في المائة سنة 2031.
وعلى مستوى تقليص الفوارق المجالية واللغوية، يطرح البرنامج إحداث 12 قطبا تكنولوجيا جهويا للربط عالي الصبيب، مع تخصيص صندوق مستقل لترسيم اللغة الأمازيغية وتسريع إدماجها الفعلي داخل الإدارات والمؤسسات العمومية.
الذكاء الاصطناعي والأمن المائي
ويستجيب التعاقد الرابع، المرصود له 50 مليار درهم، للتحديات المناخية والجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة. وتهدف الخطة الطاقية إلى تسريع مسار خفض الانبعاثات الكربونية برفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من الاستهلاك الوطني الإجمالي للكهرباء.
ولمواجهة شح المياه، تعتمد استراتيجية الأمن المائي على تشييد ست محطات كبرى لتحلية مياه البحر، ونشر 400 منشأة مائية جهوية تشمل السدود الصغرى والبحيرات التلية ومنظومات تجميع مياه الأمطار. وفي المسار العلمي، يطلق البرنامج مخططا وطنيا للذكاء الاصطناعي يستهدف تكوين 5000 مؤطر ومدرس لدمج التقنيات الخوارزمية في جميع مراحل المسار التعليمي والجامعي.
مصادر التمويل وشروط التنزيل
ولتحمل التكلفة الإجمالية المحددة في 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، يعتمد الحزب نموذجا تمويليا يتأسس على ثلاثة روافد متكاملة. ويقود الرافد الأول عائدات النمو الاقتصادي المتوقع أن تضخ 300 مليار درهم، استنادا إلى فرضية تنشيط سوق العمل، وتوسيع الوعاء الضريبي الناجم عن تبسيط الأشطر، وتحفيز الاستثمار الصناعي.
ويتعلق الرافد الثاني بمساهمة الجماعات الترابية بمبلغ 40 مليار درهم مستخلصة من حصتها في منتوج الضريبة على القيمة المضافة، لضمان المساهمة في تمويل مشاريع البنيات التحتية والبرنامج المندمج للتنمية الترابية البالغة ميزانيته 130 مليار درهم. ويتمثل الرافد الثالث في ترشيد نفقات الدولة لتوفير 10 ملايير درهم عبر رفع كفاءة الميزانية وتقليص تكاليف التسيير الإداري.
ويربط الحزب التطبيق السليم لهذه التعهدات بتفعيل سبع رافعات، تشمل توفير العقار الصناعي المجهز، وتوسيع أدوات الاستثمار في الرأسمال، واعتماد عقود-برامج جهوية، مع إلزامية ربط الدعم العمومي بمعايير ترشيد استهلاك الطاقة والمحافظة على الموارد المائية.
