من وحدة إدارية إلى مؤسسة مستقلة.. ماذا وراء تحول الأرصاد الجوية إلى وكالة وطنية؟

مقر المديرية العامة للأرصاد الجوية الوطنية بالدار البيضاء

في 18/07/2026 على الساعة 16:34

قرر المغرب تحويل المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى مؤسسة عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، واضعا بذلك حدا لعقود من التبعية الإدارية التي كبلت مرونة المرفق أمام التحديات المناخية المتسارعة، وذلك في سياق تعزيز سيادة الدولة على المعلومة المناخية وتطوير أدوات الاستجابة الفورية للطوارئ الجوية.

أنهت المملكة المغربية عقودا من الوصاية الإدارية والمحدودية المالية لقطاع الرصد الجوي، عقب مصادقة الحكومة على مشروع قانون يقضي بتحويل المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى مؤسسة عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي.

يحمل المولود المؤسساتي الجديد اسم «الوكالة المغربية للأرصاد الجوية والمناخ»، في خطوة تروم إرساء مرونة تدبيرية واسعة تتيح مواجهة الطوارئ والتقلبات المناخية المتسارعة بفعالية أكبر.

ويأتي هذا الانتقال المؤسساتي الحاسم استجابة لتوصيات تقارير رقابية صارمة شددت على ضرورة فك الارتباط بالجلباب الوزاري، منحا للمرفق المحدث مرونة تدبيرية واسعة تمكنه من الاستجابة الفورية للطوارئ المناخية المتسارعة، وتطوير البنية التحتية للرصد عبر الولوج المباشر إلى التمويلات الدولية وعقد شراكات تجارية حرة.

ستة عقود من الرصد والمراقبة

تأسست المديرية العامة للأرصاد الجوية الوطنية سنة 1961، لتشكل منذ فجر الاستقلال الركيزة الأساسية لتجميع وتدبير المعطيات المناخية والجوية على كامل التراب الوطني.

وشهدت البنية التنظيمية للمؤسسة محطات بارزة أبرزها إلحاقها بوزارة الأشغال العمومية سنة 1990، قبل أن تستقر تحت وصاية وزارة التجهيز والماء بهوية مؤسساتية حديثة حملت اسم «مغرب-ميطيو» (Maroc-Météo).

يدير المرفق العمليات الرصدية وتوجيه الشبكات من مقره المركزي التاريخي المتواجد بشارع محمد الطيب الناصري في الحي الحسني بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.

تتجاوز مهام المؤسسة مجرد توقع حالة الطقس اليومية، إلى بناء قاعدة بيانات مناخية وطنية متكاملة، وإطلاق النشرات الإنذارية والتحذيرية عبر مستويات اليقظة الأربعة، من الأخضر إلى الأحمر.

تستهدف هذه المنظومة الإنذارية حماية الأرواح والممتلكات عبر تمكين الجماعات المحلية والفاعلين الميدانيين من الانتقال من تدبير الأزمات القائم على رد الفعل، إلى الإدارة الاستباقية للمخاطر.

تؤمن المديرية إسنادا مستمرا للقطاعات الحيوية الحساسة للتقلبات الجوية، وعلى رأسها الطيران والملاحة البحرية والفلاحة وتدبير الموارد المائية والطاقة.

معضلة التمويل وعثرات الهيكل الإداري

جاءت الهندسة القانونية الجديدة لمعالجة معضلات تدبيرية رصدها قضاة المجلس الأعلى للحسابات في تقريرهم السنوي برسم سنة 2014.

وزاد التقرير التدقيقي للمفتشية العامة للمالية للفترة ما بين 2018 و2021 من تأكيد هذه الأعطاب البنيوية التي كبحت تطور المرفق العمومي.

أثبتت التقارير الرقابية أن وضع المديرية كجزء من الهيكل الإداري للوزارة الوصية حرمها من المرونة اللازمة لتطوير بنيتها التحتية وتحديث آلياتها التقنية بالسرعة المطلوبة لضمان دقة تدفق البيانات.

وشكل غياب الشخصية الاعتبارية عائقا قانونيا مزمنا منع المغرب من الاستفادة المباشرة من الهبات والمساعدات المالية الدولية التي تضخها الصناديق العالمية لمشاريع التكيف مع التغيرات المناخية.

وفي سياق متصل، عاب قضاة المجلس الأعلى للحسابات غياب آليات مرنة تتيح للمديرية تنويع مصادر تمويلها عبر تسويق خدماتها ومعطياتها للقطاعات الإنتاجية. وظل هذا الوضع يحكم على المؤسسة بالاعتماد الكلي على اعتمادات الميزانية الفرعية للوزارة الحاضنة، مكرسا ضعفا هيكليا في مواكبة التحول الرقمي والتكنولوجي.

استقلالية مالية وخدمات سيادية

يتيح النص التشريعي الجديد للوكالة الخروج من ضيق التسيير الإداري إلى رحابة التدبير التعاقدي، عبر تقديم خدمات وخبرات رصدية ومناخية لفائدة القطاعات الحكومية والمؤسسات الخاصة بموجب اتفاقيات تجارية.

ويرسخ القانون سيادة الدولة على المعلومة المناخية بجعل الوكالة المصدر الرسمي والوحيد لإصدار نشرات التوقعات والإنذارات الموجهة للعموم بصورة حصرية.

تتولى المؤسسة إحداث وتطوير «الشبكة الوطنية للمناخ» لتجميع كافة محطات الرصد، مع منح مستغلي المحطات القائمة مهلة سنة واحدة للتصريح بمنشآتهم.

وحصن المشرع هذه الشبكة بمنظومة عقوبات زجرية صارمة لحماية المحطات الرصدية وتأمين تدفق معطياتها، تفاديا لأي تلاعب بالبيانات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي.

تضطلع الوكالة بأدوار سيادية واستراتيجية بالغة الأهمية تشمل تلبية حاجيات الدفاع الوطني، وتأمين الملاحة الجوية والبحرية، علاوة على قيادة عمليات الاستمطار الاصطناعي.

وتكفل المذكرة التقديمية لمشروع القانون انتقالا سلسا للرأسمال البشري نحو الهيكل الجديد، حيث نصت صراحة على «نقل الموظفين المزاولين لمهامهم بالمديرية العامة للأرصاد الجوية إلى الوكالة، مع احتفاظهم بكافة الحقوق والامتيازات التي كانوا يستفيدون منها في إطارهم الأصلي».

وبالموازاة مع هذا التأمين الوظيفي، ستحل الوكالة محل الدولة في جميع حقوقها والتزاماتها المتعلقة بصفقات الدراسات والأشغال والتوريدات والخدمات، علاوة على جميع العقود والاتفاقات المبرمة والمتعلقة بالاختصاصات المخولة للمديرية العامة للأرصاد الجوية، الأمر الذي يضمن استمرارية المرفق العمومي وحماية تعهداته مع الشركاء دون أي ارتباك إداري أو تقني.

وبخصوص المقر المرتقب للوكالة، أكد مصدر مأذون لـLe360 أن المؤشرات الحالية تستبعد إحداث أي تغيير في الجغرافيا الإدارية الحالية، مرجحا أن تتخذ الوكالة مقرا لها نفس المبنى المركزي التاريخي في الدار البيضاء.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 18/07/2026 على الساعة 16:34