بنطلحة الدكالي: رسالة إلى إسبانيا وشعوبها

محمد بنطلحة الدكالي

في 05/09/2026 على الساعة 13:00

مقال رأيطوال التاريخ مرت العلاقات بين المغرب وإسبانيا بعقبات عدة بدءا من الوجود العربي في الأندلس وما رافق ذلك من حضور مغربي قوي جسدتها معركة الزلاقة التي ما زالت جرحا غائرا في الذاكرة الإسبانية مرورا باحتلال إسبانيا لشمال المغرب وجنوبه وصولا إلى استقلال المغرب واحتفاظ إسبانيا بجيبي سبتة ومليلية؛ مما جعل هذه العلاقات تشهد مدا وجزرا، ويمكن القول بأنها صداقة حذرة تؤدي إلى أزمات دبلوماسية بين الحين والآخر.

صحيح أن الغيوم التي تتراكم في السماء ما بين ضفتي المتوسط ليست دائمة ، لكنها تعود بين الفترة والأخرى في قضايا استراتيجية لأن إسبانيا لم تتحرر من عقدة التوجس التي لازمتها في علاقتها مع المغرب طوال التاريخ، وكذلك عقدة الجغرافيا، ولا زالت إسبانيا تنظر إلى المغرب كعدو استراتيجي وجار مزعج، ومدريد لا تقبل وان كانت لا تصرح بذلك أن يكون المغرب قويا، ويحقق نموا اقتصاديا، وأن يكون قوة إقليمية، فهي دائما متوجسة من مغرب قوي، لذا فهي دائما تتسم علاقتها مع المملكة المغربية بالحذر الدائم، مع العلم أن المغرب يعد حاليا أكبر شريك تجاري لإسبانيا في القارة الأفريقية، وثاني أكبر شريك لها في العالم خارج الاتحاد الأوروبي، كما أن المغرب يحمي الحدود الأوروبية من الهجرة غير الشرعية ومن مافيات تهريب المخدرات، كما يجب أن نستحضر جيدا دور المغرب القوي في التعاون الأمني لمحاربة الإرهاب والتطرف، ورغم ذلك ورغم كل العراقيل نجد أن المغرب متشبث بالمنطق والحكمة وملتزم بصدق التعامل مع الجار الإسباني.

إلا أن إسبانيا باتت متوجسة من التحرك المغربي منذ ترسيم المملكة المغربية لحدودها البحرية كقرار سيادي في إطار القانون الدولي، معلنا التزامه الحوار مع الجارة الإسبانية، ولقد عبرت مدريد عن توجسها من هذه الخطوة الجريئة مما خلق أزمة صامتة بين البلدين كانت وراء تأجيل القمة المشتركة؛ وبرزت الأزمة بين البلدين بشكل جلي بعد قرار الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية، وهذا الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء أربك حسابات الإسبان وشكل تحولا مهما على مستوى التوازنات الجيوسياسية، فضلا عن علاقات المغرب مع القوى الإقليمية، وفرض على إسبانيا إعادة ترتيب حساباتها من جديد في تعاملها مع المغرب وبالخصوص ملف الصحراء المغربية، لأنها فقدت أوراق ضغط كانت تستعملها في مفاوضاتها مع المغرب في العديد من الملفات الحيوية التي تجمع بين البلدين، بل إن إسبانيا التي تقدم نفسها بمثابة الوصي « الاستعماري » على المنطقة حاولت الضغط على إدارة بايدن لتغيير الموقف الأمريكي من الاعتراف بمغربية الصحراء، معتبرة القرار بمثابة « توجه انفرادي » وأن حل النزاع الإقليمي لا يعتمد على إرادة دولة واحدة مهما كان حجمها وبالتالي إن الحل هو بيد الأمم المتحدة! مع العلم أن المسؤولية التاريخية الإسبانية كما كتب بيدرو كانا ليس في مقال نشر في المجلة الإسبانية « اتليار » تستدعي اعترافها بسيادة المغرب على أراضي صحرائه والإعلان عن ذلك في تصريح رسمي يؤكد هذه الحقيقة.

وتمادت التصريحات الإسبانية المعادية للمصالح الاستراتيجية للمملكة المغربية من قبل أحزاب إسبانية مشاركة في الائتلاف الحكومي، كما سجل الملاحظون وجود تحركات إسبانية ضد المصالح الاستراتيجية المغربية والتي تخل بحسن الجوار والشراكة القائمة، مع العلم أن المغرب ظل دائما يطالب جيرانه الإسبان بعلاقة قوامها الوضوح والشراكة الموثوق بها.

أما القطرة التي أفاضت الكأس فهي استقبال الجلاد إبراهيم غالي باسم مستعار وجواز سفر مزيف وفي تواطؤ مكشوف مع حكام قصر المرادية مدعين أن ضميرهم الإنساني والأخلاقي هو الذي جعلهم يستقبلونه من أجل العلاج… يالغرابة التبرير الذي يدوس على كل القيم الحقوقية الكونية من أجل استقبال مجرم حرب..!

إن المغرب حينما يطالب بمحاكمة هذا الجلاد فهو يريد أن يظهر للعالم أجمع أن هنالك جرائم ترتكب ضد مواطنيه المحتجزين بمخيمات تندوف التي توجد خارج نطاق المراقبة والتتبع لحقوق الإنسان، وأن هناك تجنيدا للأطفال والنساء وتعذيب ممنهج، لكل من عبر عن رغبته في الرجوع إلى بلده المغرب، وذلك تحت غطاء عسكري جزائري على كل مخيمات المحتجزين حتى لا يتسرب إلى الخارج صوت الضحايا ومعاناتهم مع قيادة دكتاتورية يسيرها حكام الجزائر.

واليوم تساق أفواج حاشدة في مختلف ربوع إسبانيا، منددة بسياسات الهجرة التي تنهجها حكومة بيدرو سانشيز، مسيئة في ذلك إلى الرموز الوطنية لدولة جارة. يعكس ذلك حالة من الإفلاس الأخلاقي والسياسي لتيار اليمين المتطرف الإسباني (الحزب الشعبي وحزب فوكس) اللذان تجاوزا كل الأعراف والتقاليد الدولية، سعيا للبحث عن مكاسب سياسية..!

إن إسبانيا عليها أن تدرك جيدا أن ميزان القوى الثنائي والإقليمي قد بدأ يتغير، وإن المغرب لم يعد يقبل بقواعد اللعبة القديمة ويجب على الدبلوماسية الإسبانية عوض أن ترتهن إلى سياسة أصبحت من الماضي أن تفكر بحكمة وواقعية في المستقبل المشترك الذي يجمع بين البلدين الجارين، وأن تعزز الشراكة الاستراتيجية بفضل الرغبة المشتركة في تطوير علاقات متكافئة قائمة على اندماج فعال، بالنسبة لكلا البلدين ولضفتي البحر الأبيض المتوسط، وعلى إسبانيا أن تدرك جيدا أن المغرب سيد قراراته وأن وحدته الترابية خط أحمر، وأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس ،وأن التاريخ المفصلي الذي نعيشه اليوم يدعونا إلى التصالح مع التاريخ والجغرافيا الحقيقيين ،من أجل علاقات أكثر قوة ومتانة للأجيال المقبلة ، ولحسن حظنا ثمة درس نتعلمه من هذه الأزمات سواء المملكة المغربية أو إسبانيا وشعوبها، أن الرغبة في علاقات أفضل وأمتن هي الأقوى دوما وأبدا.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي / أستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض
في 05/09/2026 على الساعة 13:00