بنطلحة الدكالي: أتناسيت التاريخ يا توريس!؟

محمد بنطلحة الدكالي

في 25/08/2026 على الساعة 17:24

حين صرحت مارغاريتا توريس، المتخصصة في تاريخ العصور الوسطى لمملكة ليون والمستشارة البلدية عن الحزب الشعبي الإسباني، في برنامج La Tarde على إذاعة COPE، بأن المغرب لم يكن موجودا قبل سنة 1957، وأن سبتة ومليلية «لم تكونا مغربيتين قط»، ربما أنستها موجة الاستنفار التي اجتاحت جانبا من الإعلام الإسباني عقب أحداث سبتة الأخيرة صفحات من تاريخ المغرب، وربما أرادت أن تطرد من مخيلتها هواجس تؤرق بعض الإسبان كلما عاد اسم سبتة ومليلية إلى الواجهة.

هذا المغرب الذي تقدمه توريس كدولة حديثة الظهور كان، قبل سنة 1957 بقرون طويلة، ذا مكانة بارزة في تاريخ غرب المتوسط، وامتد نفوذه في مراحل من تاريخه إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وإلى مناطق تقع اليوم داخل التراب الإسباني. ففي سنة 1086 عبر يوسف بن تاشفين المضيق استجابة لملوك الطوائف، وواجه ألفونسو السادس، ملك ليون وقشتالة، في معركة الزلاقة (Sagrajas)، قرب بطليوس (Badajoz) في إكستريمادورا الحالية، وهزمه في واحدة من أبرز معارك تلك المرحلة. وفي السنوات التالية ضم المرابطون معظم دويلات الأندلس إلى دولتهم، وأصبحت مدن كبرى مثل إشبيلية وغرناطة وقرطبة ومالقة وبطليوس مرتبطة بسلطة مركزها مراكش.

وتكرر هذا الارتباط السياسي بين المغرب والأندلس في العهد الموحدي. ففي سنة 1195 وقعت معركة الأرك (Alarcos)، قرب ثيوداد ريال (Ciudad Real) الحالية، حيث واجه الخليفة يعقوب المنصور قوات ألفونسو الثامن ملك قشتالة وانتصر عليها. وامتدت السلطة الموحدية في تلك المرحلة على أجزاء واسعة من الأندلس انطلاقا من مركز الدولة في مراكش.

وتحمل الخرائط الرسمية للأطلس الوطني الإسباني صراحة تسميتي «الإمبراطورية المرابطية» و«الإمبراطورية الموحدية»، وترسم امتدادهما على ضفتي المضيق وفي مساحات واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية، وكانت مراكش عاصمة الإمبراطوريتين ومركز سلطتهما السياسي.

وقبل سنة 1957 بنحو أربعة قرون، حقق المغرب سنة 1578 انتصارا كبيرا في معركة وادي المخازن، أو معركة الملوك الثلاثة، التي انتهت بمقتل الملك البرتغالي سباستيان الأول وأدخلت البرتغال في أزمة خلافة انتهت سنة 1580 بوصول فيليب الثاني ملك إسبانيا إلى العرش البرتغالي ودخول البرتغال تحت حكم التاج الإسباني.

وكانت سبتة آنذاك تحت السيطرة البرتغالية، فانتقلت معها إلى حكم التاج الإسباني. وهنا تكشف الوقائع مفارقة قول توريس إنها «لم تكن مغربية قط»، فالبرتغاليون حين استولوا على سبتة سنة 1415، استولوا على مدينة مغربية كانت جزءا من الدولة المرينية التي كانت تحكم من فاس.

وكانت سبتة طوال قرون حاضرة علمية مغربية خرجت منها أسماء كبيرة في تاريخ المغرب والعالم الإسلامي. ففيها ولد القاضي عياض السبتي (1083–1149)، أحد كبار علماء الحديث والفقه المالكي في الغرب الإسلامي، ونشأ وتعلم فيها وتولى قضاءها سنوات طويلة، كما تولى قضاء غرناطة، ثم انتهت حياته في مراكش حيث يوجد ضريحه.

وفي سبتة ولد أيضا أبو العباس السبتي (1129–1204)، أحد أعلام المغرب في العصر الموحدي، الذي انتقل إلى مراكش واشتهر بفكره القائم على الجود والتكافل والعناية بالفقراء، وأصبح من أبرز أعلام المدينة ومن رجالها السبعة، إلى جانب القاضي عياض السبتي.

ومن سبتة خرج أيضا الشريف الإدريسي، المولود فيها نحو سنة 1100، وأحد أشهر جغرافيي العصور الوسطى. وصل إلى صقلية وعمل في بلاط الملك روجر الثاني، وهناك أنجز «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» وعمله الخرائطي الشهير، ليصبح اسمه من أبرز الأسماء في تاريخ الجغرافيا ورسم الخرائط.

ولكي تصحح مارغاريتا توريس معلوماتها، عليها أن ترجع إلى سجلات الأكاديمية الملكية الإسبانية للتاريخ. هناك ستجد أن علي بن يوسف بن تاشفين ولد في سبتة سنة 1083، وأعلن رسميا وليا للعهد في مراكش سنة 1102، ثم في قرطبة سنة 1103، قبل أن يتولى حكم الدولة المرابطية قرابة أربعة عقود ويتوفى في مراكش سنة 1143. وتسجله الأكاديمية بصفته ثاني أمراء المرابطين في الأندلس، وتذكر أن الإمبراطورية المرابطية بلغت في عهده أقصى امتدادها، فجمعت أراضي المغرب والأندلس، وامتدت في أوجها من حوض نهر إبرو في شمال شرق إسبانيا الحالية إلى النيجر جنوبا. وفي عهده دخلت سرقسطة سنة 1110 ثم جزر البليار ضمن الدولة المرابطية، وبلغ سلطانها في شبه الجزيرة أوج اتساعه.

أما مليلية، فقد استولت عليها قشتالة سنة 1497 في سياق التوسع الإيبيري على الساحل المغربي. ومنذ تلك المرحلة ظل استرجاع الثغور حاضرا في سياسة الدولة المغربية عبر القرون.

وفي عهد المولى إسماعيل استعادت الدولة المغربية المعمورة سنة 1681 والعرائش سنة 1689 وأصيلة سنة 1691، وغادر الإنجليز طنجة سنة 1684. واتجهت الجهود إلى سبتة، فبدأ حصارها سنة 1694 واستمر إلى سنة 1727، على مدى ثلاثة وثلاثين عاما، فيما تصفه مصادر إسبانية بأنه «أطول حصار في التاريخ». واستمر السعي المغربي إلى استرجاع الثغور بعد المولى إسماعيل، فقاد السلطان سيدي محمد بن عبد الله حملة لاسترجاع مليلية سنة 1774، ثم حاصر المولى اليزيد سبتة سنة 1790.

وتغيرت موازين القوى، وظل تشبث الدولة المغربية بسبتة ومليلية قائما، ولم ينهه مرور الزمن، مثلما ظلت إسبانيا متمسكة بجبل طارق منذ أن فقدت السيطرة عليها في بداية القرن الثامن عشر. فقد سيطرت عليها القوات الإنجليزية والهولندية سنة 1704، ثم انتقلت إلى التاج البريطاني بموجب معاهدة أوترخت سنة 1713. وحتى بعد توقيع الاتفاق الجديد بشأن جبل طارق بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في 14 يوليو 2026، والذي نظم وضعه بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أكدت إسبانيا أن مطالبتها بالسيادة ما تزال قائمة.

ثلاثة قرون من الحكم البريطاني لم تدفع إسبانيا إلى التخلي عن جبل طارق، ولن يدفع طول الزمن المغرب إلى التخلي عن سبتة ومليلية.

وإذا أرادت مارغاريتا توريس، أو غيرها، أن تبدأ تاريخ المغرب من سنة 1957، فستجد أمامها أكثر من ألف سنة من التاريخ يصعب اختزالها في تصريح إذاعي مليء بالمغالطات.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 25/08/2026 على الساعة 17:24