معركة الماء في المغرب.. كيف صمدت المملكة أمام سنوات الجفاف وانتقلت إلى فترات وفرة هيدرولوجية استثنائية؟

سد الوحدة

في 22/05/2026 على الساعة 15:00

وجد المغرب نفسه أمام وضع هيدرولوجي استثنائي، اتسم بتهاطل أمطار غزيرة، وحدوث فيضانات قوية بعدد من المناطق، وذلك بعد سنوات عصيبة طبعها الجفاف الحاد، وتراجع الموارد المائية إلى مستويات مقلقة، إذ كشف هذا التحول المناخي الحاد عن قدرة متنامية على تدبير الأزمات المائية، والانتقال من منطق تدبير الندرة إلى التفكير في كيفية استثمار الوفرة.

وفي هذا السياق، يرى خبراء دوليون في مجال الحوكمة المائية أن المغرب نجح في بناء نموذج متقدم نسبيا في تدبير الأزمات المرتبطة بالماء، مستفيدا من تراكم سنوات من مواجهة الجفاف، والاستثمار في البنيات التحتية المائية، وتطوير آليات التدخل الاستعجالي، معتبرين أن التحدي الجديد، لم يعد يقتصر فقط على مواجهة الخصاص، بل يمتد إلى كيفية التحكم في الوفرة المفاجئة، وتحويلها من تهديد محتمل إلى رصيد استراتيجي.

ويؤكد الخبير الدولي في الحوكمة والاستراتيجيات العامة، ميشيل فيالات، أن المملكة أبانت عن قدرة لافتة في تدبير الأزمات المرتبطة بالماء، مستحضرا عملية إجلاء حوالي 50 ألف شخص بمدينة القصر الكبير خلال ساعات قليلة أثناء الفيضانات الأخيرة، في تجربة اعتبرها نموذجا متقدما في إدارة الكوارث الطبيعية والتدخل السريع، مضيفا أن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من التدبير الظرفي ورد الفعل، إلى بناء سياسة استباقية قادرة على مواكبة التقلبات المناخية الحادة، التي أصبحت سمة بارزة في المنطقة المتوسطية وشمال إفريقيا.

وفي الإطار ذاته، طرح الخبير الدولي عشرة محاور استراتيجية لتقوية منظومة الحكامة المائية بالمغرب، تقوم أساسا على إعداد خريطة وطنية دقيقة للمخاطر الهيدرولوجية، وتحديث شبكات الصرف الحضري، وإنشاء أحواض احتياطية لتخزين المياه خلال فترات التساقطات الاستثنائية، مشددا على أهمية صيانة الأودية والروافد المائية وإزالة العوائق التي تعرقل جريان المياه، إلى جانب تحديث محطات معالجة المياه العادمة ورفع كفاءتها التشغيلية، بما يسمح بإعادة استعمال المياه المعالجة وتقليص الضغط على الموارد التقليدية.

ومن بين أبرز الحلول التي يراهن عليها الخبراء أيضا، تبرز تقنية التغذية الاصطناعية للفرشات المائية، باعتبارها إحدى الآليات القادرة على استثمار فترات الوفرة المائية في إعادة شحن المخزون الجوفي، وحماية الأمن المائي مستقبلا، خاصة في ظل تزايد تواتر سنوات الجفاف، حيث لا يتوقف الأمر عند الجانب التقني فقط، بل يشمل كذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، بالاعتماد على التطبيقات الرقمية الحديثة، وتعزيز حملات التوعية بأهمية الماء داخل المؤسسات التعليمية، فضلا عن الاستثمار في البحث العلمي الهيدرولوجي، وتكوين المنتخبين والمسؤولين المحليين في مجال تدبير أزمات المياه والكوارث الطبيعية.

ويرى المتابعون أن المغرب بات اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مقاربته المائية بشكل أكثر شمولية، عبر الانتقال من سياسة تدبير الندرة إلى بناء نموذج ذكي لتدبير الوفرة، يقوم على التخطيط الاستباقي، والاستثمار طويل المدى في البنيات التحتية والابتكار.

وعلى المستوى الإفريقي، يبرز النقاش بشكل متزايد حول ضرورة بناء تعاون إقليمي جديد في مجال الموارد المائية، خاصة وأن بعض دول إفريقيا الوسطى تتوفر على احتياطات ضخمة من المياه الجوفية تفوق حاجياتها الداخلية، ما يفتح الباب مستقبلا أمام مشاريع كبرى لنقل المياه عبر الحدود، على غرار مشاريع أنابيب الغاز والطاقة، حيث وفي ظل التحولات المناخية المتسارعة، يتجه العالم تدريجيا نحو اعتبار الماء موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الطاقة والغذاء، وهو ما يجعل من الأمن المائي أحد أكبر رهانات التنمية والاستقرار خلال العقود المقبلة.

وبين سنوات الجفاف القاسية، وفترات الوفرة المفاجئة، يبدو أن المغرب - حسب خبراء-، قد دخل فعلا مرحلة جديدة في معركته مع الماء، والتي لم تعد تُقاس فقط بكمية التساقطات، بل بقدرة الدولة على بناء حكامة مائية مرنة، قادرة على التكيف مع أقسى السيناريوهات المناخية، وتحويل التحديات إلى فرص تنموية مستدامة.

تحرير من طرف محمد شلاي
في 22/05/2026 على الساعة 15:00