وعن هذا الموضوع، قال محمد جدري، محلل اقتصادي في اتصال هاتفي مع le360، إن المشكل الحالي في قطاع السكن والعقار بالمملكة المغربية، يكمن في غياب منافسة حقيقية بين الفاعلين في هذا المجال، «اليوم نلاحظ أن هناك ارتفاعا فعليا في أسعار مواد البناء، إلى جانب طلب كبير ومتزايد من طرف الشباب المتزوجين، أو المقبلين على الزواج، أو حتى الأسر التي لديها أطفال وتطمح إلى تملك مسكن والانتقال من الكراء إلى التملك الحر، مما يجعل حجم الطلب كبيرا جدا، لكن الإشكال الرئيسي هو أن العديد من الأسر لم تعد قادرة على مجاراة هذه الأسعار المرتفعة للغاية، حيث تجاوزت إمكانياتها المالية، مما يدفعهم إما لعدم تجاوز ميزانياتهم أو اللجوء إلى قروض ذات أقساط كبرى تمتد لأكثر من خمس وعشرين سنة، وهو ما يتزامن مع تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا ذوي الدخل المحدود والطبقات الوسطى».
وشدد المتحدث ذاته بأن «المسألة الثانية تتمثل في أن هؤلاء الفاعلين، ورغم توفر مخزون من الشقق والعقارات المعروضة، يرفضون بذل أي جهد لتخفيض الأسعار لتسهيل بيعها، وأنه في الغالب ما يفضل المنعش العقاري الاحتفاظ بشقة أو عمارة غير مباعة على أن يتنازل ويبيعها بثمن أقل من السعر الذي يطمح إليه، وهذا التباين الحاصل بين رغبة العرض التنافسية وبين ضعف القدرة الشرائية للمواطنين هو ما أدى إلى خلق أزمة حقيقية في قطاع العقار، لا سيما في قطاع السكن الجديد».
وعن دعم السكن المباشر الذي أقرته الدولة، سواء 30 مليون أو 70 مليون سنتيم، بنسبتي دعم 10 أو 7 ملايين، كشف المحلل الاقتصادي بأن «بعض المنعشين العقاريين يفرضون شروطا إضافية غير قانونية تعرف محليا بـ «النوار»، مما يجعل شقة بقيمة 30 مليون سنتيم ترتفع تكلفها الفعلية لتصل إلى 35 أو 36 مليون سنتيم، مما يدفع الكثير من المواطنين إلى العزوف عن اقتناء هذه الشقق المدعمة، لأنهم يدركون أن الدعم الحكومي سيفقد معناه ومحتواه ولن يستفيدوا منه بأنفسهم، بل سيصب في مصلحة المنعش العقاري وحده ».
وأشار المتحدث ذاته إلى أن الشقق الاجتماعية تحتاج في الغالب إلى مصاريف إضافية لضخ إصلاحات وتجهيزات داخلها، وهو ما يفسر حالة التردد الكبيرة لدى فئات عريضة من الأسر المغربية للإقبال على شراء المساكن، إلى جانب إصرار المنعشين العقاريين على عدم تخفيض الأسعار، الأمر الذي يكرس حالة الركود الحالية ويترك العديد من الشقق دون مشترين.
وفي الوقت الذي تشتكي فيه الأسر المغربية من جحيم الأسعار وشروط «النوار» التي تجهض حلم التملك، يرى المهنيون والمنعشون العقاريون أن الأزمة أعمق وتتعلق باختلالات هيكلية في تكلفة الإنتاج.
وفي هذا السياق، يوضح أمين نقطة، نائب الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، أن تراجع السكن الاقتصادي وغياب عرضه بالشكل المطلوب يعود إلى عجز هذا النموذج عن مواكبة الظرفية الاقتصادية الحالية، حيث قال إن «الأسباب وراء تراجع السكن الاقتصادي، تتمثل في أن هذا النموذج الجديد الذي أجرته الحكومة السابقة لم يعمل على دينامية السكن الاقتصادي ودينامية العرض والطلب فيما يخص الطلب على السكن الاقتصادي والسكن المتوسط، فمشروع اقتناء السكن الاقتصادي لم ينجح، وذلك لكون المشروع لا يواكب الظرفية الجديدة الاقتصادية التي يعيشها المنعش العقاري، والتي تتمثل في غلاء أسعار البناء، غلاء الأراضي، وغلاء اليد العاملة».
وأوضح النقطة: «اليد العاملة لم تعد تتلاءم مع وتيرة السرعة الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها المغرب في قطاع المشاريع والبنية التحتية، حيث أصبح الأجراء يتلقون أجورا أفضل، مما يجعل الأجير يفضل العمل مع الشركات الكبرى بدل قطاع السكن الاقتصادي، وبالتالي لم يعد مشروع السكن الاقتصادي يحقق أرباحا للمنعش العقاري، بل أصبح معرضا للخسارة، وكم من منعش عقاري اضطر إلى إيقاف مشروعه لعدم قدرته على إكماله بعدما وجد نفسه خاسرا، خصوصا وأن المنعش العقاري، إذا مني بخسارة في مشروع واحد، فإنه يعلن إفلاسه نظرا لأنه يستثمر فيه رؤوس أموال ضخمة توضع بأكملها في ذلك المشروع الواحد».
وأضاف المنعش العقاري: «إذا تحدثنا عن الأراضي التي يستثمر فيها المنعش العقاري اليوم، فأثمنة الأراضي في الفترة ما بين 2023 و2026، لا علاقة لأثمنتها بأثمنة سنوات 2013 و2014 و2016 و2017، فتكلفتها تضاعفت بشكل كلي، وارتفعت معها أسعار المواد الأولية للبناء، إلى جانب تكلفة الموارد البشرية، وبالتالي كيف يمكن للمنعش العقاري أن يحقق أرباحا في السكن الاقتصادي، من المبالغ فيه الاعتقاد بأن سعر 30 مليون سنتيم كاف، بل يجب أن تباع الشقق على الأقل بما بين 40 و50 مليون سنتيم لتمكين المنعش من تحقيق هامش ربح».
وعند سؤاله عما إذا كانت القرارات الحكومية السابقة الخاصة بدعم السكن لم تخدم ذوي الدخل المحدود، أجاب أمين نقطة: «بالعكس هو جيد، إلا أنه كان من المفترض أن يتجاوز سقف 10 ملايين سنتيم في بعض المناطق، ففي جهة الدار البيضاء مثلا، لا يمكن دعم السكن بالطريقة المعتمدة نفسها في جهات أخرى مثل خنيفرة، أو خميسات، أو تازة، أو أزمور، فالدار البيضاء يتطلب وضعها تخصيص دعم أكبر يصل إلى 20 أو 25 مليون سنتيم، أخذا بعين الاعتبار الخصوصية الجهوية والاقتصادية لكل منطقة، وتكلفة إنجاز السكن فيها».
وختم قائلا: «في الدار البيضاء، مبلغ 30 مليون سنتيم لا يكفي نهائيا لتغطية التكاليف أو ضمان أي ربح، فإذا باع المنعش العقاري الشقة بهذا الثمن فسوف يتعرض للإفلاس حتما، لذلك، يجب أن يكون دعم السكن في الدار البيضاء مرتفعا ويتجاوز 10 ملايين سنتيم، ليمكن المنعشين من تقديم منتوج سكني بجودة أفضل ترقى لتطلعات السوق».
