وجاء هذا الارتفاع المفاجئ متزامنا مع مرحلة انتقالية دقيقة تفصل بين جني محاصيل منطقة «الواليدية» والتحول نحو منتوج «أكادير»، وسط تداخل معقد لعوامل فلاحية ولوجستية قلصت المعروض وأثرت على جودة السلع المتداولة.
فيروسات تضرب حقول الواليدية وتربك التموين
عزت شهادات حية لتجار التقتهم الجريدة داخل سوق الجملة بمراكش أسباب هذا الغلاء إلى انتكاسة صحية نباتية حادة أصابت مساحات شاسعة من مزارع الطماطم.
وتسببت فيروسات مباغتة في تراجع حاد للمردودية بحقول «الواليدية»، إلى جانب تدهور نوعية المنتوج وظهور عيوب واضحة على الثمار تمثلت في صغر الحجم والتشققات والإصابات الحشرية.
وارتبط هذا التراجع الفلاحي باختناق مؤقت في سلاسل التوريد خلال فترة التحول التدريجي نحو الاعتماد على محاصيل ضيعات سوس، الأمر الذي ولد فجوة سريعة بين العرض والطلب دفعت الأسعار نحو الارتفاع الصاروخي داخل فضاء البيع بالجملة.
كلفة «الصير» والمحروقات تثقل كاهل الناقلين
تجاوزت إكراهات السوق حدود الأزمات النباتية لتصطدم بثقل مصاريف التوزيع والشحن التي يعرفها المهنيون باسم «الصير».
وأكد مهنيو القطاع أن الصعود المستمر لأسعار المحروقات، وبالتحديد «الغازوال»، استنزف هوامش ربح ناقلي الخضر، إذ كلف شحن الصندوق الواحد من ضيعات أكادير إلى مراكش زيادة قاربت 30 درهما ككلفة نقل صافية.
وبالتوازي مع أعباء الشحن، التهبت أجور اليد العاملة المؤهلة للجني والتعبئة والتحميل في الضيعات لتستقر بين 250 و350 درهما للعامل يوميا.
وأفرز هذا المنحى التصاعدي لكلفة العمليات الفلاحية قفزة في إجمالي مصاريف الإنتاج والتسويق قبل بلوغ البضاعة أرضية المربع التجاري.
جبايات «الكوميسيون» ورسوم الشاحنات تحت وابل الانتقادات
وجه تجار سوق الجملة بمراكش انتقادات لاذعة إلى منظومة الجبايات المعتمدة محليا، مركزين على رسوم الدلالة أو ما يصطلح عليه بـ«الكوميسيون».
وأوضح الفاعلون أن الرسوم المفروضة على الشاحنات تحولت إلى استنزاف يومي، بعدما تجاوزت المبالغ المؤداة عن شاحنات الشحن الكبيرة، المسماة «الفاياج»، سقف 3000 درهم، مقابل مبالغ تتراوح بين 2200 و2300 درهم للمركبات المتوسطة والصغيرة.
واعتبر التجار هذه الاقتطاعات عبئا ضريبيا يغذي استمرار موجة الغلاء مباشرة، موجهين طلبا ملحا إلى المجلس الجماعي لمراكش والسلطات الوصية قصد مراجعة هذا النظام الجبائي وتخفيف الضغط المالي عن الفلاح والتاجر، كمدخل رئيسي لضبط الأسعار.
الفلاح في فخ الخسائر ومطالب بهيكلة سلاسل التسويق
رسم المهنيون من داخل السوق صورة واقعية لواقع المزارع المغربي، مشددين على أنه يتحمل الصدمة المالية الأكبر في كل اضطراب تسويقي. فبينما يشتكي المستهلك من غلاء أسعار التقسيط، يرزح الفلاح تحت ديون متراكمة لصالح شركات المستلزمات والتجهيزات الزراعية بعد تلف محاصيل استثمر فيها أموالا طائلة دون جدوى.
واستعاد الفاعلون مفارقة الفترات السابقة حين شهدت الأسواق وفرة مفرطة بيعت خلالها الطماطم بأثمان زهيدة عجزت عن تغطية تكلفة اليد العاملة والجني، دون أن يلتفت أحد لحجم الخسائر التي تكبدها المنتجون في صمت.
وشدد المهنيون في ختام حديثهم على أن قطاع تسويق الخضروات يحتاج إلى مراجعة شاملة لآليات التوزيع، مؤكدين أن موجة الغلاء لم تعد مقتصرة على الطماطم بل شملت منتجات أخرى مثل «القرعة» و«اللوبيا» والبصل.
وبات تدخل القطاعات المعنية ضرورة حتمية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان هامش ربح متوازن ينقذ الفلاحين والتجار من شبح الإفلاس.