أشغال تشييد ميناء الداخلة الأطلسي تصل مراحل متقدمة.. القطب الصناعي واللوجستي والطاقي المستقبلي يرفع سقف الطموحات

ميناء الداخلة الأطلسي يواصل التقدم.. 62% نسبة إنجاز و85% على مستوى الجسر البحري

في 17/06/2026 على الساعة 09:00

فيديووصل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الضخم والاستثنائي إلى نسبة إنجاز إجمالية بلغت 62 %. تحديات هندسية تم التغلب عليها بفضل الخبرة المغربية، والاندماج في المخطط الوطني للهيدروجين الأخضر، وطموحات جيوسياسية إفريقية... غوص في كواليس هذا المشروع الضخم الذي سيعيد تحديد توازنات التجارة الأطلسية مع نسرين إيوزي، المديرة المكلفة بتهيئة ومتابعة إنجاز المشروع.

لم يعد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الرائد مجرد طموح على الورق، بل أصبح واقعا ملموسا يتجسد يوما بعد يوم في مياه المحيط الأطلسي. تحت إشراف وزارة التجهيز والماء، صمم هذا المركب المينائي العالمي لجعل جهة الداخلة-وادي الذهب وجميع الأقاليم الصحرواية في طليعة المشهد البحري واللوجستي العالمي.

في مقابلة مع Le360، أكدت نسرين إيوزي، المديرة المكلفة بتهيئة ومتابعة إنجاز المشروع، تخطيط ومتابعة المشروع، بأن نسبة الإنجاز الإجمالية للأعمال وصلت حاليا إلى 62%. ويعكس هذا الرقم وتيرة عمل ثابتة رغم الظروف البحرية الصعبة.

يعتمد المشروع، المصمم كميناء-جزيرة، على ربطه بالبر. ويعد الجسر البحري، الذي يبلغ طوله 1.3 كيلومتر، العنصر الأساسي في هذا الربط. ويمثل هذا المكون، الذي يعد إنجازا تقنيا بارزا، أهم مراحل التقدم في المشروع.

وأوضحت نسرين إيوزي قائلةً: «بخصوص الجسر البحري، نحن في مرحلة إنجاز متقدمة، حيث تم إنجاز 85 % من الأشغال». وسيتيح الإنجاز الوشيك لهذا الجسر نقل الجزء الأكبر من المعدات اللوجستية الثقيلة مباشرة إلى البحر لاستكمال الأحواض الثلاثة التي تشكل المركب المينائي.

أما التحدي الرئيسي الثاني فيتعلق بالمنشآت الحماية (حواجز الأمواج)، التي بلغت نسبة إنجازها 45 %. ويشمل هذا الجانب مراحل دقيقة تبدأ من إلقاء الحجارة في البحر، مرورا بوضع الطبقات والدعامات، وصولا إلى تركيب كتل الحماية الخارجية.

ولكسر أمواج المحيط المفتوح، يعتمد الفريق الهندسي الوطني على حل تقني متطور: كتل حماية من نوع «كيوبيبود» (Cubipode) يتم وضعها في طبقتين مزودجتين. وقد حققت الطبقة الأولى تقدما ملحوظا، حيث بلغت نسبة إنجازها 80 %.

وبالموازاة مع ذلك، يتقدم العمل في إنشاء أكثر من ستين هكتارا من الأراضي المستصلحة. وقد بلغت نسبة إنجاز مشروع الأرض المستصلحة رقم 1، 60 %. وتسهر الفرق على عملية ردم دائرية مثلى، باستخدام مواد مأخوذة من الأرض ومخلفات عمليات التجريف وتعميق الأحواض. أما في الحوض رقم 2، المخصص للتجارة، فقد بدأت الأشغال بنسبة إنجاز أولية بلغت 12 %.

تسليم أولى الأراضي المستصلحة ورصيف الصيد

يعد الجدول الزمني الذي وضعته إدارة التهيئة للعام الحالي طموحا للغاية، ويهدف إلى تسليم بنية تحتية تجارية رئيسية.

وأوضحت مديرة التهيئة قائلة: «الهدف هذا العام هو استكمال استصلاح الأراضي وتسليم الرصيف الأول، الذي تتألف بنيته من كتل خرسانية صلبة. وهي بنية تتألف من تسع كتل، من B1 إلى B9، مع قاعدة من الحصى لضمان استقرار هذا المرفأ».

سيخصص هذا الرصيف الأول، بعمق 12 مترا، بالكامل لقطاع صيد الأسماك، الذي يعد الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي، مما يتيح تصنيعا صناعيا مهما لمعالجة المأكولات البحرية مباشرة في عين المكان.

بعد ذلك، يطلق المشروع مرحلة حاسمة لقطاعات صناعية أخرى. وقد أسفرت المناقشات التقنية التي عقدت مع الخبراء ومكاتب الدراسات المتخصصة عن وضع تصميم الرصيف الثاني، بعمق 14 مترا.

وأعلنت نسرين إيوزي أن «عملية تصنيع المكونات على وشك البدء». ولهذا الرصيف أهمية استراتيجية بالغة، حيث سيخصص حصريا لاستيراد البضائع الثقيلة والضخمة الضرورية لتطوير قطاع الطاقة المتجددة في الجهة.

إن احترام هذه المراحل المتتالية من شأنه أن يضمن التسليم الكامل للمشروع بحلول الموعد النهائي المحدد مبدئيا في نهاية عام 2028.

نموذج للسيادة التقنية

يعد بناء ميناء من العدم في قلب بيئة بحرية مفتوحة وغير محمية أحد أكبر تحديات الهندسة البحرية الحديثة. يتطلب هذا الخيار المعماري نقل أكثر من 30 مليون متر مكعب من المواد، مع الحفاظ على توازن رسوبي دقيق لحماية الساحل والبيئة البحرية.

أمام هذه التحديات المهمة، أبان المغرب عن نضجه التقني. صمم المشروع من بدايته إلى نهايته من قبل منظومة متكاملة من المهندسين المغاربة، وشركات الأشغال العمومية، ومختبرات المراقبة، ومكاتب الدراسات المغربية. هذه الخبرة الوطنية هي ثمرة تراكم الخبرات منذ عام 2012 من خلال تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للموانئ 2030، والتي أدت إلى إنشاء بنيات تحتية ضخمة مثل ميناء طنجة-المتوسط 2 وميناء الناظور غرب المتوسط.

لتأطير هذا الورش الاستثنائي، طبق صاحب المشروع بروتوكول ضمان الجودة من المستوى الثالث، وهو أعلى معيار في الصناعة، ويتطلب مراقبة متبادلة من قِبل عدة هيئات رقابية مستقلة في مراحل الإنتاج والتحقق والإنجاز.

على الرغم من أن جوهر المشروع مغربي بالكامل، إلا أن الإدارة تستعين أحيانا بالخبرة الدولية. وأوضحت إيوزي قائلة: « للإجابة على أسئلة محددة أو مناقشة مواضيع معينة، نستعين بخبرات دولية في هذا المجال، ونستعين بالخبرة الدولية لموانئ مماثلة، لتبادل الأفكار، وتعزيز رؤيتنا، وإثراء الخبرات المستفادة ».

الهيدروجين الأخضر والجغرافيا السياسية لمنطقة الساحل

كان المشروع في بدايته يركز على الربط الإقليمي وتنمية الثروة السمكية، إلا أن مخططه الرئيسي عرف تطورا بشكل ملحوظ لتتماشى مع التحولات العالمية الكبرى في مجال الطاقة.

وتحت إشراف وزير التجهيز والماء، وخلال الاجتماع الأخير للجنة الميناء، أُعيد تحديد دور ميناء الداخلة الأطلسي رسميا ليصبح أحد المحطات الرئيسية في « عرض » المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر.

وأكدت المسؤول قائلة: «تم تحديد ميناء الداخلة الأطلسي كميناء محتمل لتصدير الهيدروجين الأخضر في إطار مخطط الهيدروجين الأخضر التي أعلن عنه المغرب على المستوى الدولي. وفي هذا السياق، وبالإضافة إلى العديد من الطلبات التي تلقيناها من الفاعلين الاقتصاديين المعنيين والمستثمرين، شهدنا تطور المخطط الرئيسي للمشروع نحو رؤية وأهداف صناعية ولوجستية أكثر طموحا».

يحول هذا التحديث التكنولوجي البنية التحتية إلى نموذج ميناء ذكي وصديق للبيئة، يتميز برقمنته العالية، وانخفاض انبعاثات الكربون، وتجهيزه بأحواض عميقة قادرة على استيعاب تدفق السفن من الجيل الجديد.

وإلى جانب الطاقة، يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أداة أساسية للدبلوماسية القارية للمملكة. فمن خلال ترسيخ مكانته كبوابة حقيقية إلى أفريقيا، يجسد الميناء المبادرة الملكية الرامية إلى منح دول الساحل الحبيسة وصولا مباشرا إلى المحيط الأطلسي. كما ستسهل هذه البنية التحتية الربط المباشر مع أسواق أمريكا الشمالية والجنوبية.

وكما تؤكد نسرين إيوزي، فإن ميناء الداخلة الأطلسي ليس مجرد بنية تحتية تقنية، بل تحول إلى محرك للنمو الاجتماعي والاقتصادي.

واختتمت حديثها بالقول: «ستستجيب وظيفة الميناء اليوم للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية [...] لإطلاق هذه الإمكانيات وتحويلها إلى قيمة مضافة، وخلق فرص شغل، وجذب المزيد من الشركات للاستقرار، وخلق قيمة مضافة، وتصدير المنتجات المغربية والأفريقية إلى جميع أنحاء العالم».

تحرير من طرف طارق قطاب و سويلم بوعمود
في 17/06/2026 على الساعة 09:00