الوفاة الغامضة لسيدتين أثناء عمليتي ولادة داخل مصحة خاصة بالدار البيضاء.. انطلاق جلسات محاكمة 10 متهمين

محكمة (صورة تعبيرية)

في 10/05/2026 على الساعة 12:27

بعد سنة و4 أشهر من الغموض، الصمت، والترقب، انطلقت أخيرا جلسات المحاكمة في قضية الوفاة الغامضة لسيدتين أثناء وضع مولوديهما بإحدى المصحات الخاصة بالدار البيضاء.

وحسب معلومات حصل عليها Le360 من مصادر قضائية، فإنه يتابع في الملف 10 متهمين: المصحة وأحد المتهمين بتهم «القتل الخطأ نتيجة عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه والجرح الخطأ نتيجة عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه»، إلى جانب متهمين اثنين بالتهم نفسها مع إضافة تهمة «إخفاء أشياء لعرقلة سير العدالة»، فيما يتابع ستة آخرين بتهمة «إخفاء أشياء لعرقلة سير العدالة».

وكانت أولى جلسات القضية قد انطلقت يوم الخميس 7 ماي 2026، بالمحكمة الابتدائية الزجرية عين السبع، وتم تأجيلها إلى يوم الخميس 21 ماي 2026 من أجل إمهال مهلة للدفاع لإعداد ملفاتهم.

وتعود تفاصيل القضية إلى يوم الأربعاء 8 يناير 2025، حين انتشر، كالنار في الهشيم، سيل من الأخبار، حول وفاتين غامضتين لسيدتين خلال وضعهما لمولوديهما في عمليتين قيصريتين أجرتاها داخل مصحة «جنان تدارت» بالدار البيضاء، الأولى فتاة عشرينية دخلت لوضع مولودها الأول وخرج المولود دون والدته، والثانية شابة ثلاثينية دخلت لوضع مولودها الثاني وخرجت طفلتها دون والدتها.

موضوع أثار جدلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك، منشورات بالجملة، وتعليقات بالملايين، نساء حوامل يعبرن عن خوفهم مما حدث، ورجال «يرجون الله أن يلطف بنسائهم اللواتي اقتربن من الوضع».

ما الذي وقع داخل المصحة يوم الثامن من يناير 2025 ؟

في تمام الساعة الثامنة من يوم السابع من يناير2025، دخلت كنزة، وهي شابة في الـ23 من عمرها إلى المصحة كي تضع مولودها الأول الذي اختارت له اسم «غالي»، وفي اليوم نفسه والساعة نفسها، دخلت حسناء، وهي شابة في بداية الثلاثينات، لتضع مولودتها الثانية.

بعد نصف ساعة، تم تجهيز كنزة وإنزالها إلى غرفة العمليات، كانت الأمور طبيعية وحالتها الصحية جيدة، تم حقن الشابة الحامل بالمخدر الموضعي، الذي يستعمل عادة في الولادات القيصرية، وبمجرد أن توغلت المادة المخدرة في شرايينها حتى تفاعل جسمها بطريقة غير طبيعية، وهو ما يفسر في الأوساط الطبية بـ«صدمة الحساسية» (Le choc anaphylactique).

طبيبة النساء والتوليد المشرفة على الحالة، «رفضت بدأ العملية القيصرية بعدما لاحظت أن المريضة تتحرك بطريقة غريبة، لكن الطبيب المتخصص في الإنعاش والتخدير نصحها بإكمال العملية وإنقاذ الطفل قبل تأثره بالحقنة الأولى التي تحسست منها والدته، وهو الشيء الذي استجابت له الطبيبة بعد تخذير المريضة بالكامل»، حسب تصريحات سابقة حصل عليها Le360 من عائلة الضحية نقلا عن طبيبتها النسائية، التي أخبرتهم بهذه المعلومات.

بعد ساعة تقريبا، أي عند حوالي الساعة التاسعة والنصف، انتهت عملية الولادة، وتم نقل الطفل في حالة صحية جيدة إلى قسم المواليد الجدد، فيما تم إدخال الأم إلى قسم العناية المركزة، والذي مكثت فيه من الساعة العاشرة تقريبا من يوم الأربعاء 8 يناير 2025 إلى الساعة الثالثة صباحا من اليوم الموالي الخميس 9 يناير، ليتم إعلان وفاتها.

وهو المصير نفسه الذي لقته الأم الثانية حسناء، غير أنها أسلمت الروح إلى بارئها قبل وفاة كنزة، وتحديدا يوم العملية في الساعة الرابعة النصف زوالا، والسبب واحد، تعرض جسمها لصدمة حساسية بعد حقنها بالمخدر، ودخولها لقسم العناية المركزة ثم وفاتها بعد ذلك. لكن هل هذا هو السبب الحقيقي للوفاة؟ تقرير الطب الشرعي يجيب.

العائلات تتسائل: إذا كانت وفاة طبيعية، لماذا كل هذا الغموض؟

في ذلك اليوم ومع مرور كل ساعة، كان خوف عائلتي الهالكتين يزداد شيئا فشيئا وسط صمت الأطقم الطبية والتمريضية داخل المصحة، قلق، انتظار، وشعور بالعجز التام، فحسب تعبيرهم «كانت الأجواء غريبة في الاستقبال».

بعد ثلاث ساعات تقريبا من إعلان انتهاء العملية، يروي زوج الضحية الأولى (في تصريح سابق)، «بدأ القلق يزيد، كان الموظفون يتحركون بنشاط، لكن الإجابات بقيت غامضة. في النهاية، قالت لي إحدى الممرضات: زوجتك ليست هنا لقد تم نقلها للعناية المركزة. تساءلت لماذا؟ كيف؟ أخبرني طبيب الإنعاش والتخدير أن زوجتي تحسست من البنج الموضعي واضطررنا لتخذيرها بالكامل، كل شيء طبيعي وحالتها مستقرة».

عاد زوج كنزة إلى الاستقبال، ولمح رجلا آخر، بدا واضحا عليه الألم والتحسر. عندما اقترب منه وتبادلا أطراف الحديث، علم أن زوجته، هي الأخرى، دخلت المستشفى للولادة الثانية، وهي أيضا في العناية المركزة.

يقول زوج الشابة الثانية: «تم إخباري أن زوجتي في العناية المركزة في منتصف النهار، دخلت لرؤيتها عند حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف، كانت فاقدة للوعي لكن جسمها كان يترنح ويتحرك بقوة، هي والمريضة التي بجانبها، والتي عرفت في ما بعد أنها زوجة الرجل الذي التقيته في الاستقبال».

يؤكد زوج كنزة: «أخبرني أنه تمكن من رؤية زوجته وزوجتي وكان جسداهما يتحركان بطريقة غريبة، فأظهرت إصرارا على دخول قسم العناية المركزة لرؤية زوجتي. كانت في وضعية صعبة مثل ما وصفها لي وكانوا يغلقون عينيها بضمادات، هنا شعرت أن هناك خطب ما».

بعدما أصر الزوج على معرفة ما يحدث، قالوا له: «لا نريد إيقاظها لأن حالتها حساسة جدا».

إعلان الوفاة

عند حوالي الساعة الرابعة والنصف، تم إعلان وفاة الهالكة الأولى، زوجة الرجل الآخر. يقول زوج كنزة: «بدأت أشعر بالذعر أكثر».

وعندما سأل مرة أخرى، أخبروه أن «كل شيء مستقر»، ويمكنه المغادرة والعودة لاحقا. «حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف من منتصف الليل، قالوا لنا مرة أخرى إنها مستقرة… نصحوني حتى بالعودة إلى المنزل والرجوع في اليوم التالي».

الزوج، قرر البقاء رغم النصائح الملحة من المستخدمين. أخيرا، عند حوالي الساعة 3 صباحا، اقترب منه أحد الممرضين وقال: «يجب عليك رؤية طبيبها…»، وبعد لحظات قليلة، جاءت الأخبار الفظيعة: «توقفت قلب زوجتك، توفيت!».

رواية المصحة

بعد أسبوع من الجدل القائم، تمكن Le360 من الحصول على أول تصريح من إدارة المصحة المعنية، لتوضح بعض علامات الاستفهام التي تم طرحها، حيث أكدت أنها، ولأول مرة منذ افتتاحها سنة 2023، تواجه مثل هذه الحالات.

ونفت المصحة آنذاك كل ما تم ترويجه حول التلاعب بساعة الوفاة كي لا تُحسب عليها وفاتان في يوم واحد، مؤكدة أن تقرير التشريح الطبي يمكن أن يحدد بشكل دقيق ساعة الوفاة، كما نفت أنباء غياب طبيب التخدير ذلك اليوم وتعويضه بآخر.

ولفتت المصحة إلى أن صمتها كان بسبب إجراءات التحقيق، مشيرة إلى أن لجنة من وزارة الصحة إلى جانب السلطات الأمنية حلت بالمصحة وتم اتخاذ جميع الإجراءت القانونية.

«البنج» على قائمة الشكوك

الشكوك، في ذلك الوقت، كانت تشير إلى «البنج» خصوصا بعد تسجيل حالات مشابهة في مصحة أخرى بمدينة برشيد، ويتعلق الأمر بـ3 حالات، دخلت لإجراء عمليات جراحية. كانت الأمور طبيعية في البداية قبل حقن المخدر، لكن، وبمجرد أن انتشرت المادة المخدرة في أجسادهم، حتى دخلوا في صدمة حساسية قوية تطورت لتسمم، دخلوا على إثرها إلى قسم العناية المركزة بالمصحة المذكورة.

وحذر مهنيو التخدير والإنعاش، عبر مجموعاتهم المهنية على تطبيقات التراسل الفورية، من الدفعة رقم «H1128» من إحدى الشركات المتخصصة في الصناعة الدوائية، وهي العينة نفسها التي تم استخدامها للمريضتين اللتان توفيتا أثناء الولادة، مطالبين بـ«تعليق جميع عمليات التخدير الفقري باستخدام هذا المنتج في الوقت الحالي، حتى نشر النتائج من قبل السلطات المختصة».

الدفعة رقم (H1128)

وتعليقا على الموضوع، أكد مصدر من مركز محاربة التسمم واليقظة الدوائية، في تصريح هاتفي لـLe360، أن المركز توصل فعلا بعينات من المخدر المذكور وقام بتحليل مكوناتها، وبعد اجتماع اللجنة وإعداد تقريرها، تم إرسال التقرير إلى مصالح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.

ورفض المصدر ذاته الإفصاح عن المزيد من التفاصيل حول نتائج تحليل عينات المخدر، في انتظار صدور خلاصة التقرير من طرف وزارة الصحة.

وطوال هذه المدة، كانت عائلتا الهالكتين تنتظران ما ستسفر عنه التحقيقات، وكل ما يطالبون به هو تحقيق العدالة ومعاقبة من ثبت تقصيره، لتكريم ذكرى هاتين الشابتين اللتين غادرتا في وقت مبكر جدا، ومنع تكرار مثل هذه المأساة لنساء أخريات.

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني
في 10/05/2026 على الساعة 12:27