محمد الفايد.. من عشاب إلى «مفتي» متخصص في إثارة زوابع الشعبوية الرقمية

محمد الفايد

في 31/08/2026 على الساعة 12:25

بورتريفجرت الساعات الأخيرة زوبعة رقمية وقضائية واسعة في المغرب، عقب خروج الباحث في علوم التغذية محمد الفايد بتدوينات وتصريحات تشكك في المفهوم التراثي المستقر حول «أمية الرسول». أشعلت هذه الخرجة غضب الهيئات الدينية والمنصات الاجتماعية، لتدفع دعاة ورجال قانون إلى المطالبة بفتح تحقيق قضائي عاجل ومساءلته بتهمة المساس بالجناب النبوي وتجاوز الثوابت الدينية، بالتزامن مع دعوة الشيخ الموريتاني محمد الحسن الددو إلى رفع أمره إلى القضاء لحسم تجاوزه.

انطلقت شرارة الجدل حين كتب الفايد متسائلا باستنكار: «إن كنتم تؤمنون بأن الرسول لا يقرأ ولا يكتب فكيف يختار الله أميا في أرض قاحلة ليبلغ الرسالة؟»، قبل أن يذيل منشوره بعبارة تهكمية قال فيها: «سيقول أصحاب صفر في الرياضيات هذا ملحد».

وسرعان ما قوبلت هذه الصياغة باستهجان واسع من طرف فقهاء ومتابعين رأوا فيها تشكيكا فجا في النصوص والمرويات التراثية، واستمرارا لنهج الرجل في اقتحام مباحث عقدية ولغوية دقيقة دون امتلاك أدواتها التأصيلية.

وحاول الفايد تدارك الموقف عبر تعقيب لاحق نفى فيه ما اعتبره فهما مغلوطا، مدعيا أن كلامه انطلق من صيغة افتراضية شرطية، غير أن رده جاء مشحونا بنبرة هجومية حادة حين خاطب منتقديه بالقول: «أنا لم أقل بأن الرسول جاهل يا جهلاء، بل قلت إن كنتم تؤمنون بذلك فالله لا يرسل رسولا جاهلا».

وأصر على أن «الجملة احتمالية فيها إن كنتم والجواب يعود على الاحتمال»، مهاجما معارضيه بنعت «تجار الدين»، وهو ما اعتبره خصومه محاولة التفاف مكشوفة للتنصل من التبعات عبر التلاعب اللفظي واستعراض لغة تحقيرية تفضح غياب الرصانة العلمية.

الرأسمال الأكاديمي وصناعة النجومية التلفزيونية

ولد محمد فايد بلمحجوب سنة 1955 بجماعة أولاد سعيد التابعة لإقليم سطات، وتدرج في مسار علمي قاده لنيل دبلوم من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط في تخصص الصناعات الغذائية.

أتبع ذلك بالحصول على دكتوراه الدولة بالاشتراك مع جامعة «بليز باسكال» الفرنسية في تقنيات التخمر وبيولوجيا الأغذية، ليمارس التدريس والبحث بالمعهد ذاته لعقود، متوجا مساره بنيل جائزة الحسن الثاني للبيئة مناصفة سنة 1999، قبل أن يتقاعد ويتفرغ لنشاطه الرقمي.

استثمر الفايد هذه الخلفية العلمية ليرسخ حضوره الجماهيري عبر شاشة قناة محمد السادس للقرآن الكريم «السادسة» من خلال برنامج «نخل ورمان».

نجح في بناء قاعدة شعبية عريضة بتبني خطاب وقائي يدعو للعودة إلى النمط الغذائي التقليدي المغربي، محذرا من التصنيع والملونات الكيماوية، ومزاوجا بين التفسير الكيميائي المبسط والاستشهاد بالنصوص الدينية، الأمر الذي رسخ صورته خبيرا موثوقا لدى الأسر المغربية والعربية ونقل تأثيره لاحقا إلى قناته الرقمية على يوتيوب.

جائحة كورونا.. شرارة الصدام مع المنظومة الطبية

سجلت سنة 2020 المنعطف الصدامي الأول للشخصية إبان تفشي جائحة كورونا، حين اختار الفايد التغريد خارج الإجماع العلمي عبر ترويج وصفات عشبية ونصائح صيام لمواجهة الفيروس.

أثارت خرجاته رفضا قاطعا من نقابات الأطباء والصيادلة والهيئات الصحية بالمغرب، متهمة إياه بنشر ادعاءات تفتقر للإثبات العلمي وممارسة مهنة الطب دون ترخيص قانوني.

وقاد هذا الصدام منصات التواصل إلى فرض قيود دورية على محتواه، في ظل إصراره على مواجهة البروتوكولات العلاجية المعتمدة رسميا.

وشكل هذا الاحتكاك بداية انزياح الفايد عن ضوابط المجتمع العلمي، ومؤشرا أوليا على اعتماده استراتيجية الصدمة ومشاكسة المؤسسات لضمان الاستقطاب الرقمي.

«القراءة الكونية» والقطيعة مع المؤسسة الدينية

شهدت سنتا 2022 و2023 تحولا جذريا غادر خلاله الفايد مربع التغذية ليطرح ما سماه «القراءة الكونية للدين». وفتح نيرانه على كتب الفقه ومدونات الحديث وأئمة المذاهب التاريخية، واصفا المشتغلين بالشأن الديني الكلاسيكي بأوصاف مثل «الكهنوت» و«تجار الدين»، وداعيا إلى إسقاط التفاسير التراثية لفائدة العلوم التجريبية.

وأحدث الفايد رجة عقدية واسعة حين جزم بدخول علماء ومخترعين غير مسلمين إلى الجنة، متجاوزا القواعد الفقهية المستقرة، الأمر الذي جر عليه ردودا نقدية صارمة من كبار علماء المؤسسات الدينية، يتقدمهم مصطفى بنحمزة وعمر القزابري ومحمد الحسن الددو، إذ أجمع هؤلاء على اتهامه بالتطاول على علوم الشريعة وقواعد الاستنباط الفقهي دون حيازة الحد الأدنى من أدواتها المعرفية واللغوية.

فخ الشعبوية وسلطة اللقب الأكاديمي

يرتكز خطاب الفايد على استثمار صفة «الدكتور» الممنوحة له في علوم التغذية لفرض سلطة معرفية شمولية تتجاوز اختصاصه نحو مجالات اللسانيات والإفتاء والتأويل القرآني. خلق هذا التمدد ارتباكا داخل حواضنه المجتمعية، فتحول الرجل من شخصية مقبولة لدى الأوساط المحافظة إلى بؤرة استقطاب حاد ومادة سجال خصبة بين التيارات الدينية ومن يسمون أنفسهم بـ«التنويريين».

وتكشف محطة أواخر غشت 2026 حول «أمية الرسول» كيف تحول الباحث الأكاديمي إلى أسير لمنطق المنصات الرقمية؛ حيث تغدو إثارة الصدمات المتتالية وتجاوز الثوابت وسيلة مركزية لتغذية التفاعل الرقمي وصناعة الضجة، على حساب الرصانة المعرفية والمسؤولية الفكرية.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 31/08/2026 على الساعة 12:25