من الطب والصيدلة إلى تكوين المهندسين والتكنولوجيا.. عرض جامعي يتوسع ويربط التكوين بحاجيات الاقتصاد والأوراش الكبرى بالصحراء المغربية

رؤية ملك وتنمية وطن (ح1): كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بالعيون صرح علمي اختصر المسافات بالجنوب

كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بالعيون، صرح علمي اختصر المسافات بالجنوب

في 02/09/2026 على الساعة 14:00

تستقبل مدينة العيون الموسم الجامعي 2026-2027 بعرض جامعي عمومي أكثر تنوعا واتساعا، بعدما تعززت بنيتها الجامعية، خلال الأعوام الأخيرة، بمؤسسات وتكوينات جديدة في مجالات استراتيجية، في مقدمتها الطب والصيدلة، والهندسة والتكنولوجيا، بما يعزز موقع المدينة كقطب علمي بالأقاليم الجنوبية، ويكرس تدريجيا ارتباط التعليم العالي بالدينامية التنموية التي تشهدها جهة العيون-الساقية الحمراء.

فإذا كانت المدرسة العليا للتكنولوجيا وكلية الطب والصيدلة قد شكلتا، خلال الأعوام الماضية، نواتين أساسيتين في المشهد الجامعي المحلي، فإن الدخول الجامعي الجديد يحمل معه مستجدات نوعية، أبرزها انطلاق مسار المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون، إلى جانب توسع أدوار كلية الطب والصيدلة واحتضانها تكوينا في الطب العسكري، بما يمنح المدينة عرضا جامعيا يتجاوز التكوين الأكاديمي التقليدي نحو تكوين الكفاءات العليا في تخصصات مرتبطة مباشرة بحاجيات التنمية.

وتؤكد معطيات جامعة ابن زهر أن مدينة العيون تضم ضمن منظومتها الجامعية العمومية كلية الطب والصيدلة والمدرسة العليا للتكنولوجيا، فيما أُعلن عن إحداث المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون ضمن جيل جديد من مؤسسات تكوين المهندسين. وتأتي هذه الدينامية في سياق استراتيجية الجامعة الرامية إلى تعزيز حضورها بجهات الجنوب ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة.

مدرسة جديدة للمهندسين.. التكنولوجيا في صلب الرهان

يشكل الموسم الجامعي 2026-2027 محطة مهمة مع دخول المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون حيز التكوين، وهي مؤسسة تراهن على تكوين مهندسين من مستوى عال، من خلال مسار يمتد لخمس سنوات، يتضمن سنتين تحضيريتين وثلاث سنوات بسلك المهندسين.

وكانت جامعة ابن زهر قد أعلنت عن المشروع ضمن الدينامية الجديدة التي تستهدف إحداث مؤسسات جامعية قادرة على توفير الكفاءات الضرورية لمواكبة الأوراش التنموية الكبرى بالأقاليم الجنوبية. كما فتحت المدرسة برسم الموسم الجامعي الحالي مباراة الولوج إلى السنتين التحضيريتين لسلك المهندسين، لفائدة حاملي البكالوريا في عدد من الشعب العلمية والتقنية.

وتكتسي هذه المؤسسة أهمية خاصة بالنسبة لمدينة العيون، باعتبار أن تكوين المهندسين لم يعد خيارا أكاديميا فحسب، بل أصبح مرتبطا بشكل وثيق بحاجيات سوق الشغل وبالأوراش الصناعية والطاقية والرقمية والبنيات التحتية التي تعرفها المنطقة.

ومن شأن هذا النوع من التكوين أن يتيح للطلبة أبناء الجهة إمكانية متابعة مسار هندسي متقدم بالقرب من أسرهم، وفي الوقت نفسه يساهم في تكوين رأسمال بشري محلي قادر على مواكبة المشاريع الكبرى واستقطاب الاستثمارات وتطوير الابتكار.

المدرسة العليا للتكنولوجيا.. تكوين تقني مرتبط بسوق الشغل

وبموازاة مدرسة المهندسين، تواصل المدرسة العليا للتكنولوجيا بالعيون أداء دورها في منظومة التعليم العالي المحلي، من خلال تكوينات ذات طابع تطبيقي وتقني، تستهدف تأهيل الطلبة للاندماج في الحياة المهنية أو متابعة الدراسة في مستويات أعلى.

وتضم المؤسسة مسالك في مجالات من بينها الهندسة المعلوماتية والتدبير والتسويق والتواصل، فضلا عن تكوينات مهنية في الموارد البشرية والتقنيات القانونية والمالية. وتظهر لوائح التكوين الحالية لجامعة ابن زهر وجود مسالك من مستوى الدبلوم الجامعي التكنولوجي والإجازة المهنية داخل المؤسسة.

وهنا تبرز أهمية التكامل بين المدرسة العليا للتكنولوجيا والمدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة: الأولى توفر تكوينات تقنية ومهنية تطبيقية، فيما تفتح الثانية مسارا لتكوين المهندسين، بما يسمح ببناء سلسلة تكوين تمتد من الكفاءات التقنية إلى الأطر الهندسية العليا.

كلية الطب والصيدلة.. اختصار للمسافات وبناء لقطب صحي

في الجانب الصحي، رسخت كلية الطب والصيدلة بالعيون حضورها باعتبارها واحدة من أبرز المؤسسات الجامعية التي غيرت خريطة التعليم العالي بالأقاليم الجنوبية.

فإحداث الكلية، التي انتقلت إلى مقرها الجديد بعد استكمال الأشغال، لم يكن مجرد إضافة إلى العرض الجامعي، بل شكل جزءا من تصور أوسع يرمي إلى بناء قطب صحي وعلمي بالمدينة، خاصة مع قربها من البنيات الاستشفائية الكبرى. وقد ساهم وجود كلية للطب بالعيون في تقليص المسافة التي كان يقطعها طلبة الأقاليم الجنوبية الراغبون في دراسة الطب، وفتح أمامهم إمكانية متابعة هذا التخصص في محيطهم الجهوي.

وتبرز أهمية هذا الدور بشكل أكبر مع تطور البنيات الصحية بالمدينة، إذ لم تعد الكلية معزولة عن محيطها، وإنما أصبحت جزءا من منظومة متكاملة تجمع التكوين الطبي والتدريب الاستشفائي والخدمات الصحية.

الطب العسكري.. العيون تدخل دائرة التكوين الطبي ذي البعد الاستراتيجي

ومن أبرز مستجدات الموسم الجامعي الجديد احتضان كلية الطب والصيدلة بالعيون، لأول مرة خارج الرباط، جزءا من التكوين في الطب العسكري.

وقد تم اعتماد 20 مقعدا للتكوين في الطب العسكري، توزع بين كليتي الطب بالعيون وأكادير، في خطوة تعكس توسع شبكة المؤسسات القادرة على احتضان هذا النوع من التكوين. واعتبرت عميدة كلية الطب والصيدلة بالعيون أن إدراج المؤسسة ضمن شبكة التكوين في الطب العسكري يشكل مكسبا أكاديميا جديدا للكلية ولجهة العيون-الساقية الحمراء.

ولا تكمن أهمية هذا المستجد في عدد المقاعد فقط، وإنما في الدلالة التي يحملها: فاحتضان تكوين متخصص ذي طبيعة وطنية واستراتيجية يعكس مستوى التطور الذي بلغته المؤسسة من حيث البنيات والتأطير والقدرة على استضافة تكوينات نوعية.

من مؤسسات متفرقة إلى منظومة جامعية متكاملة

عند النظر إلى المشهد الجامعي في العيون ككل، يتضح أن المدينة بدأت تنتقل من مرحلة توفير مؤسسات جامعية لسد الحاجة المحلية إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للتعليم العالي والتكوين.

فإلى جانب كلية الطب والصيدلة، توجد المدرسة العليا للتكنولوجيا، بينما دخلت المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة مسار التفعيل مع الموسم الجامعي الجديد. وتندرج هذه المؤسسات ضمن شبكة جامعة ابن زهر التي راكمت خلال السنوات الماضية حضورا متناميا في جهات الجنوب.

وتشير الجامعة إلى أن الأقاليم الجنوبية أصبحت تضم مجموعة من الصروح الجامعية في العيون والسمارة وكلميم والداخلة، مع توجه نحو إطلاق مؤسسات جديدة، من بينها المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون، بهدف توفير الكفاءات التي تحتاجها الأوراش الاقتصادية والتنموية بالمنطقة.

وهذا التحول مهم من زاوية التنمية، لأن الجامعة لم تعد مجرد فضاء لاستقبال الطلبة، وإنما أصبحت عنصرا من عناصر الجاذبية الترابية: تستقطب الطلبة والأساتذة والأطر، وتحرك خدمات السكن والنقل والتجارة والعقار، وتخلق طلبا جديدا على الخدمات العلمية والتقنية والصحية.

الجامعة كرافعة للتنمية

إن الرهان الحقيقي للدخول الجامعي بالعيون لا يرتبط فقط بعدد الطلبة أو عدد المؤسسات، وإنما بمدى قدرة هذه المؤسسات على إنتاج الكفاءات التي تحتاجها الجهة.

فالعيون توجد في قلب دينامية اقتصادية وتنموية تشمل البنيات التحتية والطاقة والاقتصاد الأزرق والسياحة والرقمنة والخدمات والصحة، وهي مجالات تحتاج إلى مهندسين وتقنيين وأطباء وصيادلة وأطر متخصصة.

ومن هنا تكتسب المدرسة الوطنية للتكنولوجيات المتقدمة أهمية خاصة، كما تكتسب المدرسة العليا للتكنولوجيا أهمية موازية في تكوين الكفاءات التطبيقية، فيما تؤدي كلية الطب والصيدلة دورا مزدوجا في تكوين الأطباء والصيادلة والمساهمة في تعزيز المنظومة الصحية المحلية.

وهذا الربط بين الجامعة والتنمية هو الذي يعطي للمشهد الجامعي الجديد بالعيون معناه الحقيقي: تكوين أبناء الجهة لخدمة حاجيات الجهة، مع الانفتاح في الوقت نفسه على حاجيات الاقتصاد الوطني.

العيون.. من مدينة جامعية إلى قطب علمي جنوبي

خلال سنوات قليلة، تغيرت صورة العيون على مستوى التعليم العالي. فقد انتقلت من مدينة تستقبل بعض التكوينات الجامعية إلى مدينة تتوفر على مؤسسات متخصصة في مجالات دقيقة، من التكنولوجيا والهندسة إلى الطب والصيدلة.

وتنسجم هذه الدينامية مع التوجه المعلن من طرف جامعة ابن زهر لتعزيز أقطاب جامعية في جهات الجنوب، وربطها بالبحث العلمي والابتكار وتكوين الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية.

وبذلك، يبدو الدخول الجامعي 2026-2027 بالعيون مختلفا عن المواسم السابقة، ليس فقط بسبب التحاق أفواج جديدة بمؤسسات قائمة، وإنما أيضا بفضل دخول تكوينات ومؤسسات جديدة إلى المشهد.

فالجامعة في العيون لم تعد فقط مكانا للدراسة، بل أصبحت جزءا من قصة التنمية نفسها، وكلما اتسع عرضها وتنوعت تخصصاتها، ازدادت قدرة المدينة والجهة على إنتاج كفاءاتها من الداخل، واستقطاب كفاءات جديدة، وتحويل الاستثمار في التعليم العالي إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان وفي مستقبل الأقاليم الجنوبية.

تحرير من طرف حمدي يارى
في 02/09/2026 على الساعة 14:00