وفي كلمته الافتتاحية للندوة قال محمد صبري، مستشار قانوني لدى رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأن الندوة غرضها هو «النهوض بثقافة حقوق الإنسان في أماكن الحرمان من الحرية. ذلك أن النهوض بهذا النوع من الثقافة وتغيير العقليات داخل المؤسسات يظل من الموضوعات الصعبة لأنه بإمكاننا أن نغير القوانين ونعدلها، لكن قد يكون شخص ما في مكان ما قد فعل فعلا يعتبر انتهاكا. لذلك قام المجلس بالعديد من الزيارات وأصدر العديد من التوصيات والملاحظات وكان هناك تفاعل كبير من لدن المؤسسات الوطنية».
من هنا يرى صبري بضرورة «مناقشة هذا الموضوع ورصد التدابير التي تقوم بها هذه المؤسسات من أجل النهوض بثقافة حقوق الإنسان، مع رصد مختلف التدابير التي ستحُدّ من ما قد يعتبر انتهاكاً وكيف سيتم أيضا التغلب على أي انتهاك قد يكون في هذه الأماكن المغلقة».
أما سرارة بزازي، العميد الإقليمي للأمن الوطني، فترى بأنّ «شراكة الأمن الوطني وحقوق الإنسان تعد من الشراكات القوية منذ توقيعها سنة 2022 حيث كانت هناك مجموعة من الإنجازات. وترى بزازي أن انخراط المديرية العامة للأمن الوطني ليس انخراطا فرديا، بل يعد جماعيا. ويعتبر المغرب من صاحب تجربة كبيرة بدأت منذ تجربة العدالة الانتقالية في العالم ونحن نفتخر بتجربة مجلس حقوق الإنسان في هذا المجال، لأنها فيها إشراك لجميع المؤسسات سواء الأمن الوطني أو الدرك الملكي أو رئاسة النيابة العامة أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية وكذلك الآليات الدستورية».
من ثم فهو انخراط جماعي وجاء تنفيذا للتوجيهات الملكية لصحاب الجلالة الملك «لقد جعلت المملكة المغربية من حماية حقوق الإنسان خيارا لا رجعة فيه وذلك في إطار استراتيجية شاملة».
من هذا المنطلق تؤكد بزازي بأن هناك توجه جماعي لمختلف المؤسسات. خاصة وأن المديرية العامة للأمن الوطني بلورت استراتيجية مندمجة تهم حقوق الإنسان واحترام الحريات على مستوى جميع المجالات، لأن الانخراط في حقوق الإنسان يدفعها إلى الاشتغال عن طريق مجموعة من الإجراءات من خلال التكوين والتخليق وأنسنة ظروف الاعتقال وتغيير العقليات وتتتبع ومراقبة.
لذلك فإن الأولويات التي اشتغلت عليها المديرية العامة للأمن الوطني، هو دعم وسائل النزاهة والتخليق وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث يكون هناك نوع من التنسيق بين المديريات والمفتشية العامة في إطار تنزيل مبادئ حقوق الإنسان مع عصرنة هياكل عمل الأمن الوطني فقد اشتغلت هذه الأخيرة على آليات البحث من أجل تفادي أن يكون الاعتراف هو المصدر الوحيد من أجل الوصول إلى الحقيقة وكذلك عصرنة البنيات التحتية وأنسنة ظروف الحرمان وأيضا من خلال توصيات الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وهي توصيات تمثل بالنسبة للمديرية بمثابة رؤية خارجية، بما يجعلها أشبع بالمناسبة بالنسبة للمديرية العامة للأمن الوطني من أجل مراجعة آليات عملها.
هذا بالإضافة «إلى تجويد تكوين أساسي ومستمر وتخصصي وملاءمته مع المعايير الدولية والمقتضيات القانونية الوطنية، ونعني هنا بدرجة أولى الشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث سنويا نضع برنامج نعمل عليه لفهم الحاجيات التي تأتي مثلا اللحظة التي تكثر فيها التوصيات في بعض المجالات، حيث نرى أنه من خلال التكوين أو الاستثمار في العنصر البشري من أجل تصحيح الوضعيات الأخرى».
وحسب المتدخلة فإن مديرية الأمن الوطني مجموعة من التوجهات العريضة للإستراتيجية الأمنية للفترة الممتدة بين 2022 إلى 2026 حيث تم العمل على «ضمان حماية أمثل للحقوق والحريات المكفولة للأشخاص المحرومين من الحرية أو المبحوث عنهم، تماشيا مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والتي صادق عليها المغرب. وأيضاً مواصلة الجهود فيما تم تحقيقه على مستوى أماكن الوضع تحت الحراسة النظرية من جانب النظافة والتجهيز بالأفرشة اللازمة والتهوية وتوفير المرافق الصحية. مع وضع آليات لمتابعة ومراقبة مدى ملاءمتها مع المعايير الدولية والمقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بأنسنة ظروف الحرمان من الحرية. وكذا توصيات الآليات الدولية والوطنية ذات الصلة وبالخصوص تلك الصادرة عن الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب للمجلس الوطني لحقوق الإنسان».
أما الكولونيل حميد الرفاعي، فيرى بأن «مؤسسة الدرك الملكي منذ إنشائها أولت أهمية خاصة لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وتعمل باستمرار بأساليبها وإمكاناتها من أجل تمكين عناصرها من أداء مهامهم طبقا للقوانين الجاري بها العمل. وفي هذا الإطار فإن مؤسسة الدرك الملكي تجعل من احترام كرامة حقوق الإنسان شرطا ضروريا تنبني عليه جميع مناهج العمل داخل الدرك الملكي. وفي هذا السياق تعمل المؤسسة على أنسنة ظروف الحرمان من الحرية، لهذا فإن مقاربة الدرك الملكي تعد مقاربة مندمجة بأبعاد وقائية وزجرية من خلال تعزيز قدرات الموارد البشرية وأيضاً تحسين ظروف الحرمان من الحرية وأيضاً تعزيز آليات المراقبة والمساءلة».
ولفت الرفاعي إلى أن مؤسسة الدرك الملكي «تعتبر التكوين ركيزة أساسية من أجل تمكين عناصر الدرك من تملك المعارف والقدرات المهنية التي تسمح لهم بالقيان بجميع المهام وفق القوانين الجاري بها العمل وحقوق الإنسان. وهذا التكوين يمكنهم من الإلمام بالإطار القانوني الوطني والدولي المتعلق بحقوق الإنسان وأيضاً بالالتزامات المترتبة عن حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار تضم برامج حقوق الإنسان مجموعة من مواد حقوق الإنسان وأخلاقيات المهنة مثل الوقاية من التعذيب ومنع المعاملة القاصية».
بهذه الطريقة انفتحت المؤسسة على «محيطها حيث أصبح يشارك في التكوين مجموعة من الخبراء في حقوق الإنسان وأفضل مثال على ذلك هو المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يشارك بأطره في معاهد ومدارس التكوين لمؤسسات الدرك الملكي. كما تعمل المؤسسة على التحيين المستمر لجميع مناهج التكوين، تماشيا مع المستجدات التشريعية، حيث تم إدراج درس حول مبادئ مانديز للمقابلات الفعالة ضمن برامج تكوين المستمر. هذا بالإضافة إلى التحسيس المستمر من طرف الرؤساء التراتبيين وإعداد ونشر الدلائل والمذكرات من أجل توجيهع العناصر أثناء تدخلاتهم».
أما سناء الفيلالي المدغري، رئيسة مصلحة البحوث الاجتماعية والنفسية بالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بأن «هذه الأخيرة لا تنظر إلى موضوع ثقافة حقوق الإنسان كمجرد طرح مؤسساتي ظرفي أو ترف فكري، ولا تعتبره التزاما أخلاقيا، بقدر ما تعده خيارا مؤسساتيا واعيا راسخا ومتجذرا في صلب التصور العام بتدبير مرف السجن».
تضيف «من ثم، فإن المندوبية العامة أبانت عن انخراط واعٍ ومسؤول في هذا الورش الحيوي حول تعزيز ثقافة حقوق الإنسان والنهوض بها داخل المؤسسات السجنية. فهذا الاختيار الاستراتيجي والتوجه تُرجم في حرصها المتواصل على ملاءمة ممارسات مهنية مع المعايير الدولية والوطنية ودعم قدرات الموظفين والتحسيس والتكوين، سواء تعلق الأمر بالتكوين المستمر من خلال وحدات حول حقوق الإنسان أو تكوين آخر يصب في نفس الموضوع. هذا علاوة على الوقاية من التعذيب بشراكة مع مجموعة من الهيئات الوطنية والدولية النشيطة في هذا الميدان».
لهذا تؤكد بأنّ «الإرادة المؤسساتية راسخة وحاضرة وجهود المندوبية العامة لإدارة السجون هي كبيرة في هذا الصدد، فهو ورش حيوي بالنسبة لجميع دول العالم، ليس فقط في علاقته مع المؤسسات السجنية، بل في جميع الميادين حيث يبقى ورشا مفتوحا على التجدد وعلى التطوير المستمر».
وتعتبر المتحدثة بأن الإطار المرجعي الذي تستند عليه المندوبية هو «مقتطف من الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة محمد السادس ألقاه يوم 29 يناير 2003 «وإن ما نوليه من رعاية شاملة للبعد الاجتماعي في مجال العدالة لا يستكمل إلا بما نوفره من الكرامة الإنسانية للمواطنين السجناء التي لا تجردهم منها الأحكام القضائية السالبة للحرية».
أما الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق السجناء فنجد قواعد نيسلون مانديلا وقواعد بانكوك وقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون الأحداث، ثم اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعالمة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهنية وبروتوكولها الاختياري. هذا بلإضافة إلى دستور المملكة الذي ينص في الفصل 23 على أنه « يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية وبطروف اعتقال إنسانية ويمكنه أن يستفيد من برامج التكوين وإعادة الإدماج»
ولم يفت سناء الفيلالي الإشارة إلى أبرز المبادرات والبرامج الرامية إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، ثم إصدار دليل للسجين بخمس لغات إضافة إلى التكوين الذي يكتسي أهمية بالغة في نشر الزعي لدى موظفي السجون بضرورة حماية حقوق السجناء والسجينات وذلك من خلال تقوية قدراتهم في هذا المجال والتعريف بالحقوق المكفولة للسجناء بموجب المعايير المتعارف عليها وطنيا ودوليا».
أما محمد بنعجيبة، منسق الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب فركز في مداخلته على سؤالين، الأول كيف يمكن لعملية نشر ثقافة النهوض بحقوق الإنسان، أما الثاني فيرتبط بكيف للآلية من خلال مهامها المرتكزة في الرصد أن تنتقل إلى عملية النهوض بالحقوق. ويرى بأن آلية الوقاية من التعذيب منطقها هو منطق الوقاية ولا تعالج الشكايات المتعلقة بالتعذيب أو سوء المعاملة. كما أن الوقاية لا تتحقق فقط بمنع التعذيب، لأننا نتوفر على قانون يجرّم التعذيب، مع العلم أنه ليس كافيا. وبالتالي، فإن الوقاية تتحقق من خلال النشر».
وحسب المتدخل فإن «الآلية ترتكز على معطى وهو أن سوء المعاملة تكون عندما يكون هناك فجوة في الحقوق، فهندما نوفر الحق في التغذية والصحة والتواصل والخصوصية والكرامة، فإننا لا نقدم امتيازات، بل نفعّل حقوقا أصلية وأصيلة وبالتالي نحصّن هذا الفضاء المغلق من بعض الانتهاكات التي قد تحدث في غياب هذه الحقوق».
وطرح المتحدث سؤالا كيف انتقلت هذه الآلية من الرصد إلى النهوض بالحقوق حيث يقدم مجموعة من المقترحات أولها أنسنة مكان الحريات الذي يعتبر من بين أهم الآليات التي تشتغل عليه الآلية ثم هناك تفاصيل صغيرة مادية ذات أثر نفسي مثل الإضاءة والتهوية وساعات الحائط، ثم تخفيف التوتر داخل الفضاءات المغلقة عبر تجويد شروط الإقامة».
