ويأتي إطلاق المجلة كامتداد عميق لمركز «مصالحة» الذي يسعى إلى تنفيذ استراتيجيات وبرامج الوقاية من التطرف العنيف وإعادة تأهيل وإدماج المحكوم عليهم في قضايا التطرف والإرهاب. ذلك أن المجلة ستلعب دوراً بارزاً في تقديم مجموعة من المعارف المتعلقة بالموضوع، بحيث ستمكن الباحثين من تأسيس أرضية مشتركة للتأمّل وفتح النقاش في عدد من الإشكالات والقضايا التي تطال موضوع التطرف والمصالحة.
وتأخذ المجلة طابعاً علمياً محكما، نظراً لكونها تتضمّن مجموعة من المقالات العلمية التي تغذي الروابط بين الثقافة وحقوق الإنسان بطريقة تصبح فيها هذه الأخيرة أفقاً للتفكير انطلاقاً مما تطرح من أسئلة ذات ارتباط عميق بالمجتمع وهنا تتدخل الثقافة بأدواتها المنهجية الدقيقة لتعيد صاغة خطاب فكري قادر على تفكيك الواقع وتكريس قيم التسامح التي تعد بمثابة شعار للمركز والمجلة.
يقول عبد الحق العزوزي، الباحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية بأن هنا علم السياسة خاصة في الجامعات الأنجلوسكسونية نعير على علم يدرّس يدعى الانتقالات الديمقراطية، بحيث يرى العزوزي أنه لا يمكن الجزم أنه بمجرد ضبط أبجديات الانتقال الديمقراطي، فإن الدولة وصلت إلى مصاف الدول الديمقراطية الكبرى، لذلك فبدو عنصر المصالحة لا يمكن الحديث عن أي تقدم ديمقراطي حقيقي فهي شرطٌ أساسي لتحقيقها. فعند تصفحنا لهذه المجلة سيجد فيها الخاص والعام ما يشفي غليله في موضوع المصالحة، لكون هذه الأخيرة قائمة على ما تم تأسيسه من لدن علماء الانتقالات الديمقراطية في خلق مجال سياسي عام يقبل الجميع وقائم على أصول.
هذا بالإضافة إلى مسألة المصالحة فيما يتعلق بالملوثة عقولهم وقلوبهم ممن ارتموا في أحضان التطرف والإرهاب. فهذه المجلة قدمت دراسات مستفيضة بالعربية والفرنسية والإنجليزية فوجدتُ فيها طابعاً دقيقاً وعلميا، حتى إن البعض خاض في أبجديات الذكاء الاصطناعي للإرهاب العابر للقارات ومصالحة الإنسان مع الذات والمجتمع والنصوص الدينية، وذلك لكون العديد من الإرهابيين يعطون للنص القرآني ما لا يعطيه لهم فتكون القراءات خاطئة.
أما الأنثروبولوجي فريد العسري فيرى. بأن «المجلة تتيح فهم الثقافة وحقوق الإنسان والمعرفة الوقائية في قضايا التطرف العنيف وبناء السلم المجتمعي».
ويرى العسري أن «لفط مصالحة بأنه ليس اختيارا شكليا وإنما يحمل دلالات قوية فالمصالحة هنا تفهم باعتبارها مسارا إنسانيا وقائيا يهدف إلى المصالحة مع الذات والمجتمع والقيم والمعنى، بل إنها آلية بالنسبة للأجيال الصاعدة على أساس أنها مصالحة مع المستقبل، لا بوصفها معالجة لاحقة للأزمات فقط وإنما أفقا استباقيا يمنع القطيعة قبل أن تتحول إلى تطرف عنيف».
وحسب المتدخل «انطلق هذا المسار أولا وقبل كل شيء من برنامج مصالحة الذي تأسس استجابة لتحدي دقيق يتمثل في الاشتغال مع المحكوم عليهم في قضايا التطرف العنيف داخل المؤسسات السجنية خارج المقاربة الاختزالية وبعيدا عن منطق الرد الأمني الصرف. لذلك قام البرنامج على مقاربة شمولية تزاوج بين التأطير الديني الرصين والمواكبة النفسية والدعم الاجتماعي والتحضير المبكر لإعادة الإدماج».
وبعد تراكم تجربة ميدانية نوعية «وتوسع شبكة الشراكات تم إحداث مركز المصالحة بوصفه إطارا مؤسساتيا دائما يحتضن البرنامج ويطور أدواته ويضمن استدامته وتقييمه العلمي.
ويواصل البرنامج في اشتغال وثيق مع المؤسسات السجنية وفي المجتمع. ويعتمد على مقاربة ترى في السجين إنسانا في مسار قابل لإعادة البناء ويقوم العلمل على المواكبة عبر جلسات فردية وجماعية لتفكيك الخطاب المتطرف من الداخل وعلى المواكبة النفسية ومعالجة مشاعر القطيعة والإحباط».
ومن جهته أكد مصطفى الرزرازي أن «التجربة المغربية في المصالحة ناجحة بامتياز. فمنذ تأسيس المركز عام 2017 تم الاشتغال على ضبط الممارسة من الناحية القانونية والحقوقية.
والمغرب هو البلد الثاني أو الثالث عالميا التي طبقت جميع بنود معاهدة روما وربما اشتغلت على تعديد بعض البنود داخل البرنماج. من جهة أخرى على مستوى المصاحبة النفسية والدينية والحقوقية يشتغل البرنامج بأحدث الوسائل. ففي العمل النفسي بأن العلمل يتم من خلال تقنيات للمصاحبة. لذلك نرى أننا توفقنا في جميع الحالات التي صاحبناها بخصوص حالة العود في أمور التطرف تكاد تكون منعدمة وهو شيء نادر على المستوى العالمي».
ويرى عبد الرحيم الرحوتي، مدير المعهد الوطني لتكوين أطر إدارة السجون وإعادة الإدماج بأن يستحيل الحديث عن مركز مصالحة دون برنامج مصالحة ودون ربط الأمر بالسياق الذي ظهر فيه أن المملكة المغربية انتبهت أن المقاربة الزجرية الأمنية وحدها غير كافية وبالتالي كان من الضروري تطوير برامج نوعية في طار المقاربات الناعمة من أجل إعادة ضمان إدماج السجناء لأنهم عالا أم آجلا سيتم الإفراج عنهم.
لذلك فإن برنامج «مصالحة» لم يكن فقط قصة ناجحة ولكن كان من الممارسات القائمة على الأدلة والفضلى التي طورتها، بحيث لا يمكننا الحديث عن برنامج دون تقييم الاحتياجات وتقييم المخاطر وهي مجموعة من الأدوات الضرورية في البرنامج.
من ثم فإن جميع المستفيدين من برنامج «مصالحة» لم تكن عندنا حالة عودة وهو مؤشر قوي لنجاح البرنامج. كذلك فإن البرنامج تم تطويره عن طريق تحديد احتياجات السجناء على خلفة الإرهاب والتطرف، بحيث أن احتياجاتهم تختلف على سجناء الحق لعام لذلك كان هنا تركيز على الجانب القانوني والحقوقي والنفسي من أجل الاستجابة لهم وتهيئهم للإدماج داخل النسيج الاجتماعي.
