وجاء تنظيم هذه الندوة، نهاية الأسبوع الماضي، بمبادرة من مركز كرت للدراسات والأبحاث، بشراكة مع عدد من الهيئات والمؤسسات الجامعية والمهنية، في سياق يعكس تنامي الاهتمام العلمي والحقوقي بقضايا العقار الأسري، باعتبارها مجالا تتقاطع فيه الأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وتطرح إشكالات مركبة تتطلب مقاربات متعددة التخصصات.
ولم تقتصر الندوة، التي عرفت حضورا نوعيا ووازنا، على الطابع الأكاديمي الصرف، بل شكلت فضاء مفتوحا لتبادل الرؤى بين أساتذة جامعيين وقضاة ومحامين ورؤساء محاكم، إلى جانب طلبة باحثين ومهنيين، ما أضفى على أشغالها بعدا تطبيقيا يعكس صلة البحث العلمي بالواقع القضائي والمجتمعي، حيث انطلقت الأشغال بجلسة افتتاحية وضعت الإطار العام للإشكالات المرتبطة بالعقار الأسري، قبل أن تتوزع النقاشات على عشر جلسات علمية امتدت على مدى يومين، قاربت الموضوع من زوايا فقهية وقانونية وقضائية واجتماعية.
وفي السياق نفسه، تم التوقف عند التأصيل الفقهي والقانوني للعقار الأسري، وربطه بمقاصد الشريعة والتطورات الحديثة، كما ناقش المشاركون إشكالات إثبات الحقوق المالية بين الزوجين وحدود استقلال الذمة المالية، فضلا عن موقع العقار الأسري ضمن منظومة التحفيظ العقاري، وأهمية التوثيق في استقرار المعاملات، حيث شكلت الورشات العلمية الموازية محطة لتعميق النقاش في قضايا دقيقة، من قبيل حماية الفئات الهشة، وإثبات الحقوق والإشكالات المستجدة المرتبطة بالممارسة.
إثر ذلك، اتسعت دائرة النقاش لتشمل قضايا تدبير أموال القاصرين وحدود سلطة النائب الشرعي، إلى جانب إشكالات أراضي الجماعات السلالية، والتبرعات والهبات وتأثيرها على التوازن الأسري، حيث تم إبراز أهمية الصلح والوساطة كآليات بديلة لحل النزاعات، في مقابل التعقيدات التي تعرفها المساطر القضائية، بإلإضافة إلى مناقشة تحديات الملكية المشتركة للعقار الأسري، وأبعادها القانونية والاجتماعية، وكذا مناقشة الجوانب الزجرية، بعدما خُصصت جلسة للحماية الجنائية للعقار الأسري، فيما تناولت جلسات أخرى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذا النوع من العقار، وانعكاساته على استقرار الأسرة المغربية.
وأفضت النقاشات العلمية المستفيضة، التي تميزت بتفاعل قوي من طرف الحاضرين، إلى جملة من التوصيات، في مقدمتها الدعوة إلى مراجعة وتحيين الإطار القانوني المنظم للعقار الأسري، بما يواكب التحولات الاجتماعية، مع العمل على توحيد الاجتهاد القضائي في هذا المجال.
كما شدد المشاركون على ضرورة تعزيز حماية الفئات الهشة، وتشجيع اللجوء إلى الوسائل البديلة لتسوية النزاعات، إلى جانب نشر الثقافة القانونية داخل المجتمع، ودعم البحث العلمي المتخصص في قضايا الأسرة والعقار، ليؤكد المنظمون في ختام هذه التظاهرة العلمية على عزمهم مواصلة تنظيم مثل هذه اللقاءات العلمية، مع الاستعداد لتقديم مقترحات عملية للجهات المختصة، خاصة في ما يتعلق بتعديل مدونة الأسرة في الجوانب المرتبطة بالعقار الأسري.
