ولد بيدرو سانشيز عام 1972 في مدريد، داخل حي «تطوان» الشعبي، الاسم الذي فتح للطفل نافذة نحو المجهول. تزدحم البنايات هناك كتفا بكتف في مواجهة الرياح الجافة للهضبة.
في تلك الشوارع، كانت تتردد شظايا حكايات القوات الإسبانية العائدة من المغرب نهاية القرن التاسع عشر، وعائلات استقرت في العاصمة بحقائب مثقلة بالصور والأقمشة والعطور.
في مخيلة بيدرو الصغير، كانت مدريد تتوقف فجأة عند حافة رصيف بلا بحر، ليبدأ خلفها بلد النور والقلاع والظلال. سكن الذاكرة قبل أن يتعلم التاريخ.
في مراهقته، كان يطلق على نفسه ضاحكا لقب «مورو» (المغربي أو الموري)، كمن يمنح نفسه نسبا روائيا ليبدد ضجر الواقع؛ لم يعرف أحد يوما إن كان يعيد تدوير سخرية الحي، أم أنه استشعر مبكرا قوة الرموز.
إقرأ أيضا : رئيس الحكومة الإسبانية يقضي عطلته الصيفية في مراكش
كان يسكنه حدس بأن الهويات لا تكون نقية أبدا، وأن الأنساب الرسمية تمارس شيئا من التزييف، وأن الشعوب كالبشر، تحمل علامات لا تجيد قراءتها دائما.
كان ذلك في العمق اعترافا بأن قربا قديما يتربص به، صلة غامضة وجوفية، تكاد تكون جسدية مع هذا العالم «الموري» الذي لا يعد في إسبانيا ماضيا انتهى تماما.
عضو في محفل بلا تبعية
تفسر هذه الحساسية النبرة الخاصة التي اتخذها مسار قدره. لاحقا، حين كان طالبا، انضم إلى حركة فكرية سرية ولدت مطلع القرن العشرين: «التجديدية»، وهي عقيدة انتشرت في إسبانيا والبرتغال كبذرة حملتها الرياح، ولا تزال باقية في أشكال خفية كنوع من المدارس الفكرية. لا تشبه الحركات الصاخبة، بل هي مجتمع أفكار يمارس الرفقة الفكرية، حيث يتداول الأعضاء، يدا بيد، طريقة خاصة لفهم البلاد.
في ظل الأحزاب السياسية، جمعت هذه الأخوية التي لا تخضع لتبعية محددة مثقفين وكبار موظفين ورجال دولة. هناك التقى فيليبي غونزاليس وخوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، اللذين استدعيا، كل في وقته، لقيادة دفة إسبانيا، وكانا في الحزب الاشتراكي العمالي المعلمين والعرابين لبيدرو سانشيز.
إقرأ أيضا : الملك يقيم مأدبة غداء على شرف رئيس الحكومة الإسبانية
في قلب هذا التيار تقبع فكرة واضحة، تكاد تكون «هرطقة» تشرخ الرواية الوطنية: «حروب الاسترداد» — تلك المعركة الطويلة التي انتهت عام 1492 — لم تغلق قوسا أجنبيا، بل كسرت الزخم الحقيقي لإسبانيا.
مسار انطلق من المغرب في العصور الوسطى، كان عالما هجينا ومتعلما، تعايشت فيه الأديان مثل لغات في شارع واحد، قبل أن يبنى حوله جدار مفاجئ.
وفق هذه القراءة، لم يكن العصر «الموري» حادثا شرقيا ضل طريقه في أوروبا، بل كان عصرا ذهبيا انقطع. يرى المنتمون لهذا الفكر تداولا للمعرفة، وضفائر من المعتقدات، وحوارا بين الأبجدية، وابتكارا لحضارة مدنية ذات خصوبة نادرة. تصبح الأندلس حينها فردوسا مفقودا وجرحا لا يندمل. ما طردته إسبانيا بطرد الموريسكيين لم يكن مجرد سلطة، بل جزءا من ذاتها، انتزع كما تنتزع صفحة من كتاب، تاركا التمزق كدليل باق.
انزلقت شبه الجزيرة الإيبيرية في نفق «التخلف» (retraso)، كضباب بطيء خيم على أبنائها. وتظهر الأندلس، على وجه الخصوص، كأرض سرقت سرعتها؛ فبعد إفراغها من «المورو»، وبتر صناعها وخبراء الزراعة والعلماء فيها، رأت انكسار الزخم الذي جعلها يوما تسمو فوق مناطق الشمال الإسباني وأوروبا قاطبة.
بالنسبة لبيدرو سانشيز والتجديديين، فإن «حروب الاسترداد» بحماسها الحربي لم تستعد المدن فحسب، بل جمدت دخول إسبانيا إلى الحداثة، وحطمت منحناها الديموغرافي الطبيعي كما يحطم قوس مشدود.
الرئيس بلا إنجيل ولا صليب
حمل بيدرو سانشيز هذه الرؤية للماضي إلى قلب السلطة؛ ومن قصر «المونكلوا»، مقر الحكومة وعصبها، منحها شكلا، بل وإخراجا مسرحيا تقريبا. أصبح المقر الرسمي في عهده أكثر من مجرد مركز قيادة؛ غدا مسرحا تختبر فيه فكرة معينة عن إسبانيا.
إسبانيا التي تسوي أوضاع الهجرة المغربية وتستقبلها أكثر من أي وقت مضى، وتتقدم نحو مستقبل متعدد، مخلخلة قبضة الموروث الكاثوليكي الذي ظل طويلا بمثابة البوصلة والمرآة.

يتعلق الأمر، وفقا لما نقلته الصحافة عن كواليسه، برتق «تمزقات» التاريخ رمزيا عبر مبادرات لإدماج المسلمين الذين ظلوا طويلا في الهامش، وتجديد إسبانيا بوضعها مجددا في مسار قدرها القديم: ترك التنوع العرقي والثقافي يؤدي دوره من جديد، وإعادة الحيوية المفقودة للأديان، ورد الاعتبار للجانب «الموري» الذي بتر من جسد البلاد.
يصر سانشيز على ضرورة تذكر الأمة لماضيها، ليس من باب الإحياء الذكراوي، بل كفعل استعادة. من هنا تعددت الإشارات الموجهة للجالية المسلمة، وتحولت مدريد إلى طاولة تشاور مع الإسلام الإسباني، على إيقاع زيارات واتفاقيات مع دول إسلامية لم يشهدها عهد أي رئيس سبقه. يردد بإصرار، كأنها تميمة لغوية: «على إسبانيا أن تتذكر ماضيها الموري».
لعل الخطوة الأكثر لفتا للانتباه تمثلت في مراسم تنصيبه؛ فهو أول رئيس حكومة إسباني يؤدي اليمين الدستورية بلا إنجيل ولا صليب. كانت اللحظة فارقة لأنها لم تكن استفزازا، بل فعلا تأسيسيا صامتا، وضع كما توضع حجر الزاوية. خط سانشيز في تلك اللحظة ملامح ما سيسعى إليه: دولة لا تستند إلى عقيدة واحدة، بل تفتح مساحة تتنفس فيها جميع المعتقدات.
ومن هنا تنبع رغبته في سحب الدين الكاثوليكي من المدارس العمومية. كان يقول عبر هذا التجريد برنامجا كاملا: إسبانيا علمانية تماما، نعم، لكنها علمانية لا تشبه القفر، بل علمانية قائمة على الضيافة والتعايش، لا على المحو والإقصاء.
ثباتيرو الخطيب.. وغونزاليس الطنجاوي
قبل بيدرو سانشيز، كان هناك خوسيه لويس رودريغيز ثباتيرو (2004-2011)، رجل «تحالف الحضارات»، المؤمن بأن الجسور أقدر على الصمود من الجدران، حتى حين تشتد الرياح. في عام 2005، أقدم على خطوة نادرة: دخل مقر جامعة الدول العربية وألقى خطابا حماسيا عن الجانب «الموري» الغافي في وجدان كل إسباني.
في مدريد، قوبل بالصفيق بقدر ما ناله من السخرية؛ فبالنسبة للبعض، كان يعيد للبلاد صوتها الأكثر صدقا، بينما رأى آخرون أنه خلط بين الدبلوماسية وأضغاث الأحلام. أما «التجديديون»، فقد قرأوا في خطوته حقيقة بديهية: الجنوب ليس مجرد جوار، بل هو مرآة.
إقرأ أيضا : بيدرو سانشيز يشيد من الرباط بـ«الطابع الاستثنائي للعلاقات الحالية بين إسبانيا والمغرب»
أما فيليبي غونزاليس، فكان يملك نزعة روائية يغلفها بواقعية كبار الساسة: مسحة من الغموض في تحركاته، وتلك الطريقة في الصمت ليدع البحر يتحدث.
أحب غونزاليس، الأندلسي الأصل، مدينة طنجة بصفة شخصية؛ عشق مقاهيها ذات الإيقاع الهادئ، وفنادقها المطلة على الأطلسي، لا سيما فندق «الميراج» قرب مغارة هرقل.
هناك، كان يقضي ساعات طوالا، حاملا كتاب تاريخ في يده، شاخصا بصره نحو المضيق كمن يتأمل جملة لم يفهم كنهها بعد. كان يهمس أحيانا للمقربين منه: «أشعر أنني مغربي».
شهدت فترة حكمه (1982-1996) انفتاح إسبانيا أخيرا على أقليتها المسلمة؛ وفي عام 1992 بغرناطة، وقعت اتفاقيات رسمية تعترف بتنظيم الشعائر الإسلامية، وهي خطوة سياسية بقدر ما هي لمسة وفاء للذاكرة، تزامنت مع إحياء الذكرى الخمسمائة لـ «سقوط الأندلس»، ما أعاد فتح جرح عام 1492 الحتمي.
كان غونزاليس أيضا رائدا في إرساء أسس الهجرة المغربية التي لم تتوقف منذ ذلك الحين عن نسج روابطها مع المدن الإسبانية، غرزة تلو أخرى، كخيط عاد أخيرا ليلتحم بنسيجه الأصلي.
المغرب بوصفه حجر الزاوية: إعجاب سانشيز
لفهم بيدرو سانشيز، لا بد من العودة إلى تلك النقطة الثابتة التي حركت كل شيء: المغرب. لا المغرب بوصفه ملفا دبلوماسيا، أو جارا متطلبا، أو شريكا ومصدرا للتوازنات والمصالح المتبادلة، بل المغرب بوصفه حضورا داخليا، وخيطا حميميا، وأفقا للمعنى.
يحتل هذا البلد في مخيلته مكانة فريدة، تكاد تكون استهلالية؛ فهو يقدم له قراءة أخرى لإسبانيا، عمقا يشبه الغرف السرية، وأصلا مواربا. ففي طنجة ومراكش، وغالبا رفقة عائلته، كان يعود كمن يعود إلى المنبع، مقتفيا أثر الأندلس، لا بحثا عن أطلال، بل عن استمرارية؛ برهان على أن التاريخ لا يسير دوما في خط مستقيم، وأن ذاكرة واحدة تكفي أحيانا لمد جسر بين ضفتين.
لا ينبع إعجابه بالمغاربة من عاطفة غامضة، بل يندرج ضمن رؤية أرحب للمجتمع الإسباني. لا يرى في المغاربة حضورا يطاق على مضض، بل جزءا مشروعا من وجه البلاد، يجب الاعتراف به كاملا، وحمايته، وإدماجه في الحياة العامة.
إقرأ أيضا : الملك محمد السادس يستقبل بيدرو سانشيز بالقصر الملكي بالرباط
تتجاوز المسألة في جوهرها قضايا الهجرة والثقافة والدين، لتمس تعريف الأمة ذاتها؛ ما تختاره لتضمه إلى روايتها، وما تقرره أخيرا للكف عن تسميته «أجنبيا».
من هنا، يضيء هذا الانبهار مسار سانشيز بأكمله. حي «تطوان»، خرائط الطفولة، الانتماء للحركة التجديدية، القراءة المغايرة لـ «حروب الاسترداد»، الحنين للأندلس، المبادرات العلمانية في «المونكلوا»، والاهتمام بالحوار مع الإسلام الإسباني؛ كل ذلك يلتقي ويصر، كجملة واحدة تتكرر حتى تصبح بديهية.
إسبانيا، وفق هذه الرؤية، لا تفهم في صراع مع المغرب، ولا في عزلة عنه، بل تفهم به ومن خلاله، كمن يقرأ في الضفة الأخرى الوجه الآخر لتاريخه الشخصي. ليس المغرب مكانا بعيدا، بل هو المرآة التي تلمح فيها إسبانيا ما فقدته، وما تخشاه، وأيضا ما يمكن أن تصبح عليه مجددا: بلدا أكثر ثقة في مستقبله لأنه أقل تشنجا تجاه أصل واحد.
يتيح المغرب إعادة قراءة التاريخ الإسباني كرواية لم تكتمل بعد، وإعادة تموضع أبطالها، وفتح أبوابها المغلقة. في العمق، ما يطارده هذا الرجل، خلف تسويات السلطة وحسابات السياسة، هو مصالحة بين إسبانيا وماضيها؛ والمملكة المغربية هي القطعة المفقودة في هذا المسعى.
