يمثل هذا التوجه الجديد منعطفا حاسما في السياسة الخارجية لليما إزاء قضية الصحراء المغربية. ويقطع الجهاز التنفيذي المقبل للبيرو، من خلال مساندة الوحدة الترابية للمملكة والاعتراف بسيادتها على أقاليمها الجنوبية، مع عقود من المواقف الرمادية، لينخرط بوضوح في الدينامية الدولية المؤيدة للمقاربة المغربية.
وجاء الإعلان عن هذه الخطوة عقب مباحثات أجرتها كيكو فوييموري في العاصمة ليما مع سفير المغرب لدى البيرو، أمين الشودري، الذي سلمها برقية تهنئة من الملك محمد السادس بمناسبة انتخابها.
وأفاد بلاغ لديوان الرئيسة المنتخبة أن الحكومة المقبلة ستدعم أيضا القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن، الذي يكرس مبادرة الحكم الذاتي أساسا وحيدا لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.
أربعة عقود من التقلبات الدبلوماسية
شهدت مواقف ليما تقلبات حادة منذ سنة 1984، حينما اعترفت حكومة فرناندو بيلائوندي تيري بالكيان الوهمي. وفي سنة 1987، عملت البيرو خلال الولاية الرئاسية الأولى لألان غارسيا على إقامة علاقات دبلوماسية مع الانفصاليين، قبل أن يقرر الرئيس ألبيرتو فوييموري تعليقها سنة 1996، وهو القرار الذي ظل ساريا طيلة 25 سنة.
وعاد التقارب مع جبهة «البوليساريو» الانفصالية في شتنبر 2021 إبان عهد الرئيس السابق بيدرو كاستيو الذي أعاد العلاقات مع الكيان الوهمي. ورغم أن وزير خارجيته، ميغيل أنخيل رودريغيز ماكاي، أعلن في غشت 2022 سحب هذا الاعتراف وقطع الصلة بالانفصاليين مع تأكيد دعم الوحدة الترابية للمغرب، إلا أن هذا التحول لم يدم سوى شهرا واحدا، حيث تراجع كاستيو عن خطوة وزيره وأعاد العلاقات إلى سابق عهدها.
ولم يحمل وصول دينا بولوارت إلى سدة الحكم في دجنبر 2022، عقب عزل كاستيو، تغييرا فوريا؛ إذ حافظت حكومتها في البداية على الموقف الموروث، قبل أن تقرر في شتنبر 2023 تعليق العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الانفصالي مجددا. غير أن ليما أبقت على موقف رمادي، لكونها لم تسحب رسميا اعترافها الصادر سنة 1984، ولم تعلن دعما صريحا لمبادرة الحكم الذاتي.
ويسعى الإعلان الحالي لكيكو فوييموري إلى وضع حد نهائي لهذا التذبذب. فبعد مرور ثلاثين سنة على قرار تعليق العلاقات الذي اتخذه والدها، خطت الرئيسة المنتخبة خطوة إضافية حاسمة بجمعها بين تأكيد الوحدة الترابية للمملكة، وتأييد سيادة المغرب على صحرائه، ودعم مبادرة الحكم الذاتي، الأمر الذي يطوي أربعة عقود من التراجع والتقلب، ويسجل انتصارا جديدا للدبلوماسية المغربية في القارة اللاتينية.
أمريكا اللاتينية في قلب الأولويات المغربية
يرتبط التحول في موقف البيرو بالاستراتيجية الشاملة التي تبناها المغرب تجاه أمريكا اللاتينية منذ سنوات بتوجيهات ملكية سامية. وتعتمد هذه الرؤية على المزاوجة بين الدبلوماسية الرسمية والبرلمانية، وتطوير التعاون الاقتصادي والثقافي والأكاديمي، بهدف اختراق منطقة ظلت لقرون مجالا للنفوذ الإيديولوجي للجزائر وصنيعتها «البوليساريو».
ولم تنحصر التحركات المغربية في كسب تأييد سياسي عابر، بل ركزت الرباط على بناء شراكات بنيوية مستدامة مع دول أمريكا اللاتينية، مستثمرة موقع المملكة كشريك موثوق وجسر استراتيجي يربط القارة اللاتينية بإفريقيا وأوروبا والعالم العربي. وشمل هذا التعاون قطاعات حيوية مثل التجارة، الفلاحة، الأمن الغذائي، الأسمدة، الطاقات المتجددة، والتبادل الجامعي.
وأثمرت هذه الدينامية انحسارا تدريجيا للأطروحة الانفصالية في منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث قررت دول عديدة قطع صلاتها بالكيان الوهمي أو النأي بنفسها عنه، مثل كولومبيا، غواتيمالا، باراغواي، جمهورية الدومينيكان، هايتي، جامايكا، السلفادور، غيانا، الإكوادور، وبنما.
وفي هذا الصدد، سحبت السلفادور اعترافها بالكيان الانفصالي بشكل نهائي سنة 2019 وتلتها غيانا سنة 2020، في حين أعلنت الإكوادور وبنما تعليق علاقاتهما مع الانفصاليين خلال سنة 2024. ورافقت هذه الخطوات مواقف متزايدة تدعم المقترح المغربي للحكم الذاتي والتسوية السياسية تحت مظلة الأمم المتحدة.
بالتزامن مع ذلك، حرصت الدبلوماسية المغربية على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة حتى مع الحكومات القريبة تقليديا من أطروحة الانفصال، مستعينة بفتح السفارات وتكثيف الزيارات الرسمية والبرلمانية، مما ساعد على إخراج ملف الصحراء من قوقعة الاصطفافات الإيديولوجية الموروثة عن الحرب الباردة.
الدور الحاسم لبرلمان أنديز
شكل برلمان أنديز، الذي يضم ممثلي برلمانات البيرو وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا وتشيلي، رافعة أساسية في مسار هذا التقارب؛ إذ حظي المغرب بصفة عضو ملاحظ دائم داخل هذه المنظمة الإقليمية في ثاني يوليوز 2018، كأول بلد عربي وإفريقي ينال هذه المكانة.
وتوج هذا المسار بتوقيع مذكرة تفاهم بين البرلمان المغربي وبرلمان أنديز لإرساء قنوات تعاون مستدام وتبادل الخبرات، مما منح المغرب صفة «شريك متقدم» لدى هذه المؤسسة الإقليمية.
وسجلت المؤسسة التشريعية المغربية حضورا وازنا ومستمرا داخل أروقة المنظمة، مما أتاح فرصة التواصل المباشر مع برلمانيي الدول الخمس، وشرح أبعاد قضية الصحراء المغربية، واستعراض النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية.
وبلغ هذا التعاون محطة بارزة في رابع يوليوز 2022، حينما عقد برلمان أنديز دورة رسمية في مدينة العيون، عاين خلالها البرلمانيون اللاتينيون حجم النهضة الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية الصحية والتعليمية، فضلا عن أجواء الاستقرار التي تنعم بها المنطقة.
وانعكست هذه الزيارة الميدانية على المواقف الرسمية للمنظمة؛ حيث صادقت أغلبية أعضاء برلمان أنديز في 27 أكتوبر 2022، خلال اجتماع في مدينة بوكارامانغا الكولومبية، على قرار يدعم سيادة الدول ووحدتها الترابية، معلنا تأييد مبادرة الحكم الذاتي بصفتها حلا واقعيا وجديا ومصداقا للنزاع الإقليمي.
وفي مارس 2023، جدد 15 عضوا من أصل 25 في الجمعية العامة لبرلمان أنديز دعمهم الكامل للوحدة الترابية للمغرب، رافضين محاولات إقحام تمثيلية برلمانية مزعومة للكيان الانفصالي داخل المنظمة، الأمر الذي أكد أن مساندة الموقف المغربي تحظى بالأغلبية وتتجاوز التباينات السياسية بين الأعضاء.
دبلوماسية الميدان في خدمة القضية الوطنية
تواصل الزخم البرلماني خلال السنوات القليلة الماضية، حيث عقد برلمان أنديز جانبا من دوراته العادية بالمغرب في أبريل 2025 بين الرباط ومراكش. وشهدت هذه الدورة محادثات مكثفة مع رئيسي غرفتي البرلمان، رشيد الطالبي العلمي ومحمد ولد الرشيد، ووزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، ورئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية خليهن ولد الرشيد.
وأكد رئيس برلمان أنديز آنذاك، غوستافو باتشيكو، على الوضع الاعتباري للمغرب كـ «شريك متقدم»، مثمنا دوره كمحور استراتيجي يربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
واستمر هذا التنسيق في غشت 2025 بزيارة وفد من مجلس المستشارين المغربي إلى العاصمة ليما، حيث التقى رئيسة برلمان أنديز الجديدة، سارة كوندوري، في إطار تفعيل الالتزام المشترك القائم على احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.
ومكنت هذه اللقاءات المستمرة الوفد المغربي من نسج شبكة علاقات واسعة مع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين في البيرو ودول المنطقة، مدعومة ببرامج زيارات منتظمة للأقاليم الجنوبية، أتاحت للمسؤولين اللاتينيين الوقوف الشخصي على واقع التنمية في العيون والداخلة، ودحض المزاعم الانفصالية.
فصل جديد في العلاقات بين الرباط وليما
يفتح هذا التحول التاريخي آفاقا جديدة واعدة في مسار العلاقات الثنائية بين المغرب والبيرو. وأكد الملك محمد السادس، في برقية التهنئة الموجهة إلى كيكو فوييموري، على روابط الصداقة والتقدير المتبادل والقيم المشتركة، معربا عن تطلعه للارتقاء بالتعاون الثنائي نحو شراكة متعددة الأبعاد.
ويتيح هذا التقارب فرصا استثمارية وتجارية هامة في مجالات الفلاحة، الأسمدة، الطاقات المتجددة، السياحة، والتبادل الثقافي، مستفيدا من موقع المغرب كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، ومكانة البيرو المتميزة في الواجهة الهادئة لأمريكا اللاتينية وضمن مجموعة أنديز.
ويشكل هذا التوجه الجديد للحكومة البيروفية المقبلة، بعد أربعة عقود من التقلبات، واحدا من أبرز التحولات السياسية المسجلة، ليؤكد صواب الرؤية الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن الوحدة الترابية، ويكرس مبادرة الحكم الذاتي كقاعدة وحيدة وجدية لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.
