وانطلقت شرارة هذا السجال من عبارة أطلقها بنكيران خلال لقاء حزبي بإقليم النواصر، لتوقظ في غضون ساعات خلافات قديمة كتمها إخوان «المصباح» طويلا. وبنبرة حملت هجوما صريحا، خاطب بنكيران سلفه العثماني داعيا إياه إلى «لزوم بيته» والتفرغ لأبحاثه العلمية، متهما إياه بتكثيف خرجاته العامة بما قد يؤدي، حسب تعبيره، إلى «إثارة البلبلة» داخل صفوف الحزب.
وجاء هذا الموقف عقب تصريحات أدلى بها وزير العدل والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي، حين أعاد فتح النقاش علنا حول مسؤولية العثماني في التوقيع سنة 2020 على اتفاق استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل. واستغرب وهبي صمت بنكيران وعدم اتخاذه أي إجراء حزبي ضد سلفه، رغم أن الأخير هو من باشر التوقيع بصفته رئيسا للحكومة آنذاك.
وفي خضم هذه المعطيات، اختار بنكيران الرد من منصة النواصر. غير أن المقطع المصور سرعان ما اجتاح شبكات التواصل الاجتماعي، ليتحول الاهتمام كله صوب تلك الكلمة الموجهة للعثماني: «جلس فدارك».
وسرعان ما أثارت تصريحات الأمين العام موجة استياء واسعة بين قيادات الحزب، إذ سارع عدد من الوجوه البارزة إلى الدفاع عن العثماني، مؤكدين أن ملف التطبيع أعمق من أن يُختزل في المسؤولية الشخصية لرئيس الحكومة السابق.
وعلى المنصات الرقمية، انتقد وزير التشغيل السابق محمد يتيم توقيت إعادة فتح ملف توقيع اتفاق 2020 وجعله محور نقاش سياسي، فيما دعا خالد الصمدي، كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي، إلى وضع القرار في سياقه العام واستحضار معطياته المتعددة. ومن جهته، شدد محمد أمين الدهاوي، عضو المجلس الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، على وجوب تدبير مثل هذه الخلافات داخل الأجهزة التنظيمية للحزب بدل عرضها على الساحة العامة.
وتطورت التداعيات حين اختار حسن عبيسي، المستشار ومدير الديوان السابق لسعد الدين العثماني، الخروج عن صمته عبر شريط فيديو مفصل ليرد على بنكيران، متجاوزا الدفاع عن مسؤوله السابق إلى إعادة تفكيك محطات حاسمة من تاريخ الحزب القريب، مفندا رواية بنكيران نقطة بنقطة.
واستحضر عبيسي في شهادته المصورة سنوات عمله المباشر إلى جانب العثماني، عائدا بالذاكرة إلى سنة 2013 حين أدخل انسحاب حزب الاستقلال من التحالف الحكومي تجربة بنكيران في أزمة حادة.
وكشف عبيسي أنه في سياق المفاوضات لضم حزب التجمع الوطني للأحرار إلى الأغلبية، طُرح خيار تنازل العثماني عن حقيبة الشؤون الخارجية لصالح صلاح الدين مزوار، مقابل تسلمه وزارة التربية الوطنية. غير أن العثماني، وفق المستشار ذاته، فضل التنازل كليا عن منصبه الوزاري من أجل المساهمة في الحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي.
وعرج عبيسي على محطة 2017، إثر فشل بنكيران في تشكيل الأغلبية بعد انتخابات 2016 وتكليف العثماني بقيادة الجهاز التنفيذي. ورغم أن بعض الروايات صورت تلك الخلافة كبداية للقطيعة بين الرجلين، نسف عبيسي هذا الطرح مؤكدا أن العثماني لم يقبل المهمة إلا بعد نيل موافقة بنكيران المسبقة، وقبل عرض الأمر على الهياكل التقريرية للحزب.
وأراد المستشار السابق من كشف هذا المعطى دحض أي فكرة تدعي استغلال العثماني للظرفية للحلول محل بنكيران.
وانتقل عبيسي بعد ذلك إلى الملف المفجر للسجال الأخير، والمتمثل في اتفاق استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل الموقع سنة 2020.
وفي هذا الصدد، واجه عبيسي بنكيران بمواقفه السابقة، مذكرا بأن رئيس الحكومة الأسبق خرج شخصيا عقب الإعلان عن الاتفاق للدفاع علنا عن العثماني، رافضا آنذاك تحميله منفردا مسؤولية قرار اتخذه في إطار ممارسته لمهامه على رأس الحكومة.
وأمام هذه التفاعلات المتلاحقة، اختار عبد الإله بنكيران يوم الثلاثاء 6 أكتوبر التراجع علنا وتقديم توضيحات حول تصريحاته.
وأكد بنكيران، عبر صفحته الرسمية على شبكة «فيسبوك»، أن المقطع المتداول من كلمته في لقاء مديونة تعرض للاجتزاء، مبررا كلامه بأنه جاء ردا على ما وصفه بـ«الهجوم الجبان» لعبد اللطيف وهبي.
وجدد الأمين العام تأكيد تقديره لرفيق دربه، مستحضرا عقودا من العمل المشترك ومؤكدا أنه يحمل له «كامل التقدير والاحترام»، رغم التباين في تقدير بعض المواقف والمحطات.
غير أن بنكيران لم يتراجع كليا في الجوهر، إذ تمسك برأيه في ضرورة امتناع العثماني عن المشاركة في بعض الأنشطة، تفاديا لاستغلالها من طرف خصوم الحزب لشن هجمات ضده.
وختم بنكيران توضيحه بعبارة سعت لتهدئة الأجواء، مشيرا إلى أن دعوته العثماني إلى «الجلوس في بيته» لم تكن بدافع الإهانة، حيث كتب: «إن كان كلامي قد حمل أي مساس به، فأؤكد أنه لم يكن متعمدا، وألتمس منه المعذرة».
وبذلك، انقلب الموقف على بنكيران بعدما حاول توبيخ العثماني، إذ أعادت ردود الفعل الصادرة من بيته الداخلي تسليط الضوء على تصريحاته لسنة 2020، ليتحول سهم الانتقاد صوبه هو شخصيا بدل أن يطوي اعتذاره صفحة هذا السجال.
