الفيتو الروسي.. أو الخدمة التي قُدمت للمغرب دون قصد

فاسيلي نيبينزيا، الممثل الدائم لاتحاد روسيا لدى الأمم المتحدة، أثناء التصويت الذي جرى يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026

في 31/10/2026 على الساعة 08:31

بإشهاره حق النقض ضد المشروع الأمريكي حول الصحراء، أراد الكرملين تمديد ولاية بعثة «المينورسو» دون أي تعديل، فجاءت النتيجة عكسية تماما. لقد أسقط غياب القرار الدولي تفويض البعثة، لتستعد لمغادرة الأقاليم الجنوبية «خلال الأيام القادمة» طبقا لما أعلنه بلاغ الديوان الملكي، مطيحا بوجود ميداني استنفد أغراضه ولم يعد يخدم سوى خصوم الوحدة الترابية للمملكة.

ورسم البلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم 30 أكتوبر معالم المشهد بدقة وحسم؛ فمجلس الأمن لم يمدد انتداب البعثة التي تحولت على مر السنين إلى «أداة لتدويل النزاع الإقليمي». وبات واجبا على أفرادها ومعداتها وآلياتها مغادرة الأقاليم الجنوبية، مع إسقاط ملف الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن وإطلاق مساع مماثلة في سائر أجهزة الأمم المتحدة.

إثر ذلك، أكد البلاغ طي «صفحة دامت 35 عاما» باعتبار هذه الخطوة «محطة بارزة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة». واكتسى التوقيت دلالة رمزية بالغة، إذ تزامن الإعلان مع عشية 31 أكتوبر، «عيد الوحدة» الذي أقره الملك العام الماضي عقب اعتماد القرار 2797، ليتطابق الاحتفاء بفتح مسار الحل مع إسدال الستار على المسار الأممي.

وبالعودة إلى تفاصيل جلسة 30 أكتوبر، بلغت المفارقة الدبلوماسية ذروتها. حصد المشروع الأمريكي، الذي جعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الحصري للتفاوض، أحد عشر صوتا من أصل خمسة عشر، قبل أن تسقطه موسكو بالفيتو. وسعى المندوب الروسي، فاسيلي نيبينزيا، إلى الدفاع عن نص بديل يقتصر على «تمديد تقني» يبقي الوضع على حاله، غير أن مقترحه انهار سريعا بعد نيله ثلاثة أصوات فقط.

أرادت موسكو إنقاذ «المينورسو» على المقاس الجزائري، لكن إجهاضها للنص الوحيد الكفيل ببقائها حكم عليها بالزوال الفوري. من جانبها، لم تبد الرباط أي رغبة في تفادي هذه الخاتمة، وفضلت عدم قبول نص باهت يتقي الفيتو، واضعة موسكو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قبول القرار بحزم وبكامل مضامينه، وإما التخلي عن كل شيء بما في ذلك البعثة نفسها. وجاء الاختيار الروسي مؤكدا سقوط رهانات من اعتقدوا أن المغرب سيتشبث بالبعثة بأي ثمن.

عبء ميداني استنفد وظائفه

فما الذي تبقى واقعيا من هذه البعثة التي رأت النور سنة 1991 لتنظيم استفتاء أجمع المنتظم الدولي على استحالته منذ ما يزيد عن عقدين؟ لقد تحولت عمليا إلى مجرد آلية لمراقبة وقف إطلاق النار. غير أن مهمة المراقب تتطلب مطابقة التزامات الأطراف بسلوكها الميداني، في حين أعلنت جبهة «البوليساريو» منذ نونبر 2020 تنصلها التام من الاتفاق، وواصلت التلويح بـ«الكفاح المسلح» أمام الأمين العام للأمم المتحدة. ووجدت البعثة نفسها تراقب وقفا لإطلاق النار أعلنه أحد طرفيه لاغيا وباطلا، دون أن تملك تفويضا أو أدوات لترتيب أي أثر قانوني.

وعلى أرض الواقع، فرض وجود البعثة كلفة سيادية باهظة؛ إذ استمرت آلياتها ومقارها والقيود الميدانية المفروضة على الحركة في تكريس انطباع واهم بأن وضع الإقليم ما زال معلقا. وبالنسبة للمغرب، الذي يدير أقاليمه الجنوبية ويوطن فيها استثمارات كبرى وينظم استحقاقاتها الانتخابية ويستقبل فيها قنصليات الدول، تحولت البعثة إلى آخر رمز يضع السيادة الوطنية تحت المراقبة الدولية.

ويبرز معبر الكركرات، الشريان الرابط بين المغرب وموريتانيا وغرب إفريقيا، دلالة هذا التحرر الميداني؛ إذ ظل كيلومتر واحد فقط دون تعبيد لسنوات طويلة، لتفادي إثارة ملاحظات «المينورسو» واعتراضات تقارير الأمين العام واحتجاجات مجلس الأمن. ومع حلول الأول من نونبر، سقطت تلك الحسابات تماما، وأضحى استكمال تعبيد ذلك المقطع ممكنا في ظرف وجيز ودون تقديم حسابات لأي طرف، مما يعكس بوضوح بداية مرحلة جديدة.

وفضلا عن ذلك، جسدت البعثة العجلة المحركة لتدويل النزاع؛ فوجودها يقتضي تمديد الولاية، والتمديد يستدعي تقارير دورية وإحاطات للمبعوث الشخصي وجلسات تشاور وقرارات سنوية تديم دوران الملف في نفس الحلقة المفرغة. غير أن المعادلة انقلبت اليوم بصورة جذرية؛ فلا بعثة، ولا جلسات لمجلس الأمن، ولا وصاية أممية، بعدما سقط الملف من الأجندة الإلزامية للمحافل الدبلوماسية الدولية.

من تدبير النزاع إلى الحسم النهائي

ويمثل هذا المنعطف امتدادا صريحا لمكاسب القرار 2797 المعتمد في أكتوبر 2025؛ فإذا كان مجلس الأمن قد حدد العام الماضي معالم الحل عبر اعتماد مبادرة الحكم الذاتي أرضية وحيدة للتسوية، فإن ذلك الإطار ظل ساري المفعول ولم يمسه الفيتو الروسي. وجاءت محطة 2026 لتنهي وجود البعثة وتسقط الطابع الدوري للملف، لينتقل المغرب عمليا من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة طيه النهائي.

وبناء عليه، يبدو التأسف على الموقف الروسي في غير محله؛ إذ أسدى الفيتو المطلوب جزائريا خدمة استراتيجية للمغرب تجاوزت مفاعيل القرارات الأممية ذاتها، حتى الإيجابية منها. فالقرارات تغير الصياغات والبنود، بينما يصنع الفيتو وقائع صلبة على الأرض؛ ذلك أن إنهاء عمليات حفظ السلام يتطلب عادة مسارات تفاوضية تمتد لسنوات وتقارير تقييم وتقليصا تدريجيا للقوات، غير أن تصويتا واحدا حسم مصير البعثة بأقل كلفة.

تمسكت الجزائر بـ«المينورسو» كآخر سند دولي يدعم أطروحتها المرتبطة بحرف الراء في اسم البعثة «الاستفتاء»، لكن تعنتها في مواجهة تطوير النص قاد إلى شطب البعثة برمتها. وفيما توهمت موسكو إبقاء القضية رهينة الممرات الأممية، أخرجتها منها دون رجعة، ليتحقق تحذير السفير الأمريكي مايك والتز حين شدد قبيل الاقتراع على أن استمرار الوضع القائم «لم يعد مقبولا».

ميدانيا، تستعد البعثة لحزم أمتعتها ومغادرة الأقاليم الجنوبية خلال مهلة لا يتوقع أن تتجاوز شهرا واحدا، في وقت تواصل فيه المملكة مسارها دون تفريط.

وأكد بلاغ الديوان الملكي في هذا الإطار التزام المغرب الثابت بوقف إطلاق النار صونا لوحدته الترابية وأمن مواطنيه، مع مواصلة الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي، بدعم واسع من أزيد من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي، بعدما تعطل المسار الأممي برفض الأطراف الأخرى لمخرجات الحل العادل.

وعلى مدى خمسة وثلاثين عاما، لم تغير القرارات الأممية قيد أنملة من واقع الصحراء، في حين قلب فيتو روسي موازين المشهد بالكامل. وبسعيها لخدمة الجزائر، منحت موسكو للرباط ما لم تقدمه عقود من الدبلوماسية المتكلسة: إسدال الستار على آخر مظهر من مظاهر السيادة المنقوصة.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 31/10/2026 على الساعة 08:31