وقال عبد الله غازي، رئيس المجلس الجماعي لتيزنيت، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، في تدوينة له على صفحته الرسمية على الفيسبوك:«إخبار بمثابة بشرى تُزفّ لساكنة الأحياء الناقصة التجهيز بمدينة تيزنيت، بحر هذا الأسبوع، انطلقت بتوفيق من الله أشغال المشروع الكبير للتطهير السائل لتدارك معاناة العديد من الأحياء بعد الانتظار منذ حوالي عقدين»، مضيفا:«تم توثيق بدايتها ميدانياً من حي بوتيني، عبر صور ومقاطع فيديو تُظهر مباشرة الفرق التقنية وهي تباشر أشغال الحفر والتهيئة».
تدوينة كانت كفيلة لتوقظ بقية الأطراف السياسية خاصة المصطفة في المعارضة، حيث أوضح نوح أعراب، عن حزب الاتحاد الاشتراكي، في تدوينة له على حائطه الفيسبوكي، أن المشروع لا يمكن اعتباره إنجازًا حديثًا أو حكرًا على جهة بعينها، بل هو ثمرة تراكمات تعود لسنوات، حيث انطلقت مراحله الحاسمة خلال الفترة الانتدابية ما بين 2009 و2015، مع إعداد الدراسات التقنية سنة 2014، التي قدرت الكلفة الإجمالية بحوالي 25 مليار سنتيم، تشمل توسيع الشبكة وإنجاز قنوات رئيسية وتعزيز الطاقة الاستيعابية لمحطة المعالجة.
وأشار المصدر ذاته إلى أنه، واستكمالًا لهذه الدينامية، تم سنة 2016 الترافع من أجل إدراج المشروع ضمن البرنامج الوطني للتطهير السائل، عبر ملتمس قُدم يوم 3 ماي 2016 إلى وزير الداخلية من طرف النائب البرلماني عن إقليم تيزنيت آنذاك، لحسن بنواري، مرفوقًا بسؤالين كتابيين، إلى جانب لقاء سابق مع المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بتاريخ 27 أبريل 2016.
وأسفرت هذه التحركات، بحسب التدوينة ذاتها، عن برمجة المشروع وتأمين تمويل الشطر الأول، وفي هذا الإطار، تم تخصيص 11 مليار سنتيم من طرف جماعة تيزنيت، و11 مليار سنتيم من طرف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، فيما بلغت كلفة المشروع بمدينة تافراوت حوالي 5 مليار سنتيم، موزعة بالتساوي بين وزارة الداخلية والمكتب الوطني.
وبالنظر لضخامة المشروع، تم تقسيمه إلى شطرين، يقول أعراب، حيث يشمل الشطر الأول إنجاز قنوات التجميع الرئيسية والرفع من الطاقة الاستيعابية لمحطة المعالجة، بكلفة تقدر بـ11.4 مليار سنتيم، تتقاسمها الجماعة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وأكد المصدر أن المشروع عرف تأخيرات ملحوظة بعد سنة 2016، معتبرا أن الأمر لا يرتبط بعوامل موضوعية فقط، بل أيضا باختلالات في التدبير، ومن بين هذه العوامل، تعطيل حوالي 30 مشروع تجزئة سكنية بين 2016 و2019، بسبب امتناع المكتب الوطني عن التأشير على الملفات التقنية المرتبطة بالربط بشبكتي الماء والتطهير، ورفض اعتماد الحلول المؤقتة، ما انعكس سلبًا على قطاعي التعمير والبناء وفرص الشغل المرتبطة بهما.
كما أشارت التدوينة إلى فرض شروط تعاقدية وُصفت بـ« المجحفة » في حق المنعشين العقاريين، في إطار ما سُمي بعقود الإذعان، وربطها بالموافقة على مشاريع التجزئات، مع ما ترتب عن ذلك من آثار بيئية واجتماعية.
وحمّل أعراب جزءًا من المسؤولية للمجلس الجماعي السابق في إشارة إلى ولاية حزب العدالة والتنمية، بسبب التأخر في تصفية الأوعية العقارية الضرورية لمد القنوات، نتيجة قرارات مرتبطة بنزع الملكية بمساحات اعتُبرت مبالغًا فيها (بين 20 و50 مترًا)، رغم تقديم مقترحات من المعارضة آنذاك لتقليصها إلى ما بين 6 و10 أمتار، باعتبارها كافية تقنيًا وأقل كلفة، وهي المقترحات التي لم يتم الأخذ بها إلا لاحقًا، ما أدى إلى ضياع وقت تنموي مهم.
وشدد الفاعل السياسي نفسه على أن المسؤولية السياسية تتحملها الأغلبية المسيرة للمجلس السابق، والتي ضمت أحزاب التجمع الوطني للأحرار، التقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية، بسبب ما اعتبره أخطاء تدبيرية ساهمت في تعطيل المشروع، رغم التنبيهات المتكررة داخل المجلس.
وذكرت التدوينة أن استكمال المساطر العقارية لم يتم إلا سنة 2022 من طرف المجلس الحالي، وهو ما ساهم في تجاوز أحد أبرز العوائق، غير أن انطلاق الأشغال تأخر لاحقًا، ليتزامن مع محطة انتخابية، ما أثار تساؤلات حول توقيت التنفيذ.
وأنهى أعراب تدوينته قائلا: «المشروع يمثل حقًا مشروعًا لساكنة تيزنيت، وليس إنجازًا انتخابيًا ظرفيًا»، مؤكدا أن إخراجه إلى حيز الوجود جاء نتيجة مساهمة عدة أطراف ومجالس متعاقبة، معبرا عن دعم تنزيل المشروع في أفضل الظروف، مع تثمين مجهودات المجلس الحالي، والدعوة إلى احترام الآجال ومعايير الجودة في الأشغال، إلى جانب التأكيد على تتبع التنفيذ ورصد أي اختلالات محتملة، وضمان احترام دفاتر التحملات، بالنظر لأهمية المشروع في تحسين شروط الصحة والعيش داخل المدينة.
من جانبه أوضح الفاعل المدني بمدينة تيزنيت، سعيد رحيم، أن الأهم في هذا النقاش لا يجب أن يبقى محصورا بين حزب الأحرار والاتحاديين، فهذا التبادل للاتهامات لن يكشف الحقيقة كاملة، مضيفا: «ما نحتاجه فعلا هو رواية طرفين آخرين كانا حاضرين في قلب الأحداث، رواية حزب العدالة والتنمية الذي كان على رأس الجماعة في مرحلة حاسمة من تدبير ملف التطهير السائل، وكان يروج لهذا الملف كأحد أبرز أوراقه السياسية والتنموية بالمدينة، ورواية حزب التقدم والاشتراكية الذي يعتبر شريكا في كل التحالفات والحاضر في تسيير كافة المجالس منذ ما يقرب من ثلاثين سنة».
وأكد رحيم في معرض رده على الجدل القائم قائلا: «لا يجب أن نغفل أن حزب التجمع الوطني للأحرار كان حاضرا أيضا داخل جماعة تيزنيت منذ سنة 2015 من موقع الأغلبية والتسيير وتدبير الملفات الكبرى، وليس فقط منذ 2021 كما يحاول أن يروج له اليوم، فالتجمع الوطني للأحرار يستثمر كعادته في النسيان والمناطق الرمادية، وفي عدم تتبع المواطن للشأن المحلي وضعف ذاكرته السياسية، وفي غياب مجتمع مدني يواكب وإعلام محلي مستقل يبحث عن المسكوت عنه والروايات الأخرى».
وأشار المصدر ذاته إلى أن «سياسيو الأحرار يقدمون أنفسهم وكأنهم بدأوا تجربتهم في تدبير الجماعة فقط مع سنة 2021، بينما الحقيقة أنهم كانوا في التسيير والأغلبية منذ 2015، بل أكثر من ذلك، بل قاد أحد أعضائه أشرس حروب جيوب المقاومة ضد الرئيس ابراهيم بوغضن، عن حزب العدالة والتنمية».
أما حزب التقدم والاشتراكية، الذي كان حاضرا كشريك في التحالف خلال ولاية 2015-2021، وما زال حاضرا داخل المجلس إلى اليوم، يقول رحيم، فيبدو وكأنه “شاهد ما شافش حاجة” في مسرحية عادل إمام، هذا الحزب الذي شارك في تدبير الجماعة لعقود، ويمتلك خبرة تراكمية في التحالفات المتقلبة، لم يقدم حتى الآن أي رواية أو توضيح حول ما جرى في ملف التطهير السائل.
واعتبر رحيم تواجد حزب الكتاب حاليا مجرد ديكور داخل المجلس لا تسمع له ركزا ولا موقفا، مشددا على أنه مطالب بأن يجيب على سؤال ملف التطهير السائل وأسباب تعثره منذ أكثر من عقد أم أنه كان شريكا صامتا وشكليا، خاصة في ظل وجود “مجلس ظل” يقوده الأحرار ويوجه الأمور من وراء الستار في ولاية العدالة والتنمية؟
واستطرد المصدر ذاته قائلا: «الرأي العام في تيزنيت لا يريد أن يبقى رهينة للمزايدات الانتخابية بين الأحرار والاتحاديين، الرأي العام يريد معرفة الحقيقة كاملة، لأن هناك شبهة حقيقية بهدر زمن تنموي ثمين بالمدينة، بل إن التأخر الطويل في إنجاز مشروع حيوي بهذا الحجم يطرح تساؤلات أعمق، هل يمكن أن تكون هناك شبهة تبديد للمال العام أيضا جراء هذا التأخر؟ فكل سنة تمر دون إنجاز تعني تكاليف إضافية، وأضرارا بيئية وصحية، وفرصا ضائعة للتنمية. من المسؤول الحقيقي عن هذا التعطيل؟ ومن هي الأيادي الخفية التي وقفت وراء إرباك المشروع طوال سنوات، وتتحين الفرصة للاستثمار فيه سياسيا وانتخابيا في الوقت الذي تريد؟ ولماذا لم تتم محاسبة أي مسؤول عن هذا التأخير؟»
