حصرى. هشام عبود: كيف حاول النظام الجزائري تصفيتى مرة أخرى.. وفشل فشلا ذريعا

هشام عبود الصحفي الجزائري اللاجئ في فرنسا

في 26/05/2026 على الساعة 11:30

فيديوأربع محاولات اغتيال خلال ثلاثة أعوام ونصف، ومخططات اختطاف تشبه روايات الجريمة الرديئة، ومطاردة ممتدة من برشلونة إلى روبيه. يؤكد الصحفي الجزائري المغترب هشام عبود تعرضه لمسلسل من «الملاحقة الإجرامية» الممنهجة من قبل السلطات الجزائرية. وعقب توجيه القضاء الفرنسي اتهامات رسمية لأربعة أشخاص يشتبه في تخطيطهم لتصفيته بمدينة روبيه، يكشف عبود تفاصيل صادمة عن العمليات السرية لبلاده، واصفا إياها بأساليب «نظام عصابات» يعيش حالة من الهواية، والبارانويا، والنزوع نحو السلطوية المطلقة تحت حكم الرئيس عبد المجيد تبون.

واجه الصحفي هشام عبود محاولة رابعة لاغتياله واختطافه في فبراير 2025 بمدينة روبيه الفرنسية، ما يدل على أن إصرار النظام الجزائري على ملاحقته، رغم فشل محاولات التصفية في كل مرة.

ووجه قاضي تحقيق مكافحة الإرهاب السبت الماضي اتهامات رسمية للأشخاص الأربعة المشتبه في تورطهم بمحاولة القتل. وبدأت التحقيقات أول الأمر إثر قضية سطو على متحف قرب مدينة ليون في نوفمبر 2024، قبل أن تكشف الرسائل المشفرة عن وجود عقد تصفية بقيمة عشرة آلاف يورو يستهدف عبود، حيث انتقلت المجموعة إلى روبيه في فبراير 2025 لتنفيذ العملية، دون جدوى بسبب عدم تواجد الصحفي هناك.

وتأتي هذه الواقعة ضمن سلسلة عمليات سرية تستهدف المعارضين، من بينها اختطاف أمير بوخرص المعروف باسم «أمير دي زاد» عام 2024، مما يشكل تحولا لافتا في طبيعة الرد القضائي الفرنسي على تحركات السلطة الجزائرية، التي باتت أساليبها موضوعا لملفات جنائية تدينها أمام العدالة.

وفي حديث حصري، يزيح هشام عبود الستار عن خفايا هذه العملية، مستحضرا المحاولات السابقة، لينتقد ما أسماه هواية النظام الجزائري وسلوكه العصائبي. ويتطرق عبود أيضا إلى تدهور المؤسسات في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، وتوتر العلاقات مع فرنسا، والخطوات القضائية التي يعتزم اتخاذها لانتزاع حقه.

سيناريو يشبه أفلام الإثارة الرخيصة

علم هشام عبود بوقوع هذه المحاولة الرابعة لاغتياله واختطافه عبر صحفية من وكالة الأنباء الفرنسية، والتي تواصلت مع محاميه الأستاذ عبد الجليل دليل الصقلي.

ويصرح لنا الصحفي، مؤلف كتاب «مافيا الجنرالات» الأكثر مبيعا، وإصداره الأحدث «جزائر العصابات»، قائلا: «علمت بالأمس من صحفية في وكالة الأنباء الفرنسية، تواصلت مع دفاعي، أنني كنت هدفا لمحاولة اغتيال في فبراير 2025. لا، لم يفاجئني الأمر، فلم يعد هناك ما يفاجئ عندما تدرك كيف تدار السلطة في الجزائر».

وحصلت الصحفية، التي تتابع الملف عن كثب، على معلومات دقيقة عقب جلسة مغلقة مثل خلالها أربعة أفراد أمام القضاء. ويوضح عبود أن هذه المحاولة تأتي ضمن سلسلة عمليات تهدف إلى إسكاته، وبالأخص لطمس قضية برشلونة، حيث حاولت السلطات اختطافه ونقله إلى الجزائر.

ويشرح لنا قائلا: «لماذا فبراير 2025؟ لأن قضية برشلونة حدثت قبل ذلك بوقت قصير. وبما أنها فشلت، كان عليهم طمسها بسرعة عبر تصفيتي».

وخلال ثلاثة أعوام ونصف، كان هشام عبود هدفا لأربع محاولات اغتيال واختطاف، ويعلق ساخرا: «لقد فشلوا بالطبع! لأنهم مجرد بيادق وعناصر في المخابرات الجزائرية لا يتقنون حتى تنفيذ العمليات. أملك أدلة على مخططاتهم، إنهم عاجزون».

ويستحضر عبود بالخصوص مخططا لتسميمه خلال مأدبة عشاء في مدينة لييج البلجيكية، نظمه عناصر من المخابرات الجزائرية، قائلا: «لست من النوع الذي يقبل دعوة على فنجان قهوة أو في مطعم مع أي كان، لا سيما عندما تكون للمرتّب خلفية سيئة».

وثمة مخطط آخر، سمي «الخطة ب»، كان يقضي باختطافه في مدريد وتهريبه نحو الجزائر على متن طائرة رئاسية، بعيدا عن المراقبة الجمركية.

ويضيف الصحفي المثير للجدل: «هذه الخطة ب اقترحها تبون شخصيا. نقل الخطة إلى مدريد، ثم اختطافي ووضعي في صندوق سيارة تابعة للسفارة، ونقلي بعدها إلى طائرة رئاسية قادمة من الجزائر تنتظرني على المدرج دون رقابة جمركية. لقد فشل المخطط لأنني تلاعبت بهم كما أردت».

وقدم عبود وثائق ثبوتية للمصالح الفرنسية، من بينها بطاقة هوية فرنسية مزورة كانت مخصصة لأحد المتورطين في هذه المحاولات، ويوضح: «لقد قدمت الدليل الوثائقي، وسلمتهم الأجندة الكاملة لعملياتهم. أنا من تلاعب بهم! بيادق رئيسية؟ نعم، لكنهم بيادق عاجزون، بارعون فقط في تزوير الوثائق، ورغم ذلك كان من الصعب على السلطات الفرنسية تصديق الأمر في البداية».

نظام «عصابات»

يرى هشام عبود أن الفشل المتكرر لهذه المحاولات يجسد الطبيعة العصائبية والعاجزة للسلطة الجزائرية، ويقول: «ليس نظاما عسكريا، ولا نظام مافيا، بل هو نظام عصابات. وقد ألفت كتابا حول هذا الموضوع بعنوان جزائر العصابات يصدر قريبا عن دار فايار».

ويوضح الكاتب أن هذه العمليات، التي يقودها عناصر من المخابرات الجزائرية، تكشف عن مستوى هواية يثير القلق، مشيرا إلى أنهم «يستعينون بأجانب. في برشلونة، كانت شبكة إجرامية دولية يقودها إسبان، وكانوا يخططون للتنصل من الأمر بمجرد انتهاء العملية، لكن الآثار لا تختفي أبدا».

ويضيف عبود أن هذه المحاولات تظهر أيضا عجز النظام عن إدارة عملية اغتيال بسيطة. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يكشف قائلًا: «حذرني أحد مصادري من أنهم سيرسلون قناصا سابقا إلى تولوز لإنهاء المهمة القذرة، لذلك ألتزم الحيطة والحذر».

«انحدار غير مسبوق» في عهد تبون

يرسم هشام عبود لوحة قاتمة للوضع في الجزائر تحت حكم عبد المجيد تبون، وينتقد الخطابات الرئاسية واصفا إياها بالعبثية، كما يهاجم ضعف الأداء الحكومي وانهيار المرافق العمومية، ويتساءل مستنكرا: «رئيس يعد في منبر الأمم المتحدة بتجفيف مياه البحر الأبيض المتوسط في غضون أشهر قليلة؟ هذا عبث لا يصدقه عقل! كيف يمكن لصحفي أن يلوذ بالصمت أمام هذا؟».

وينبه عبود كذلك إلى غياب الاستقرار المزمن داخل المؤسسات والأجهزة الأمنية التي تتغير قياداتها كل عام، فضلا عن تصاعد القمع ضد الأصوات المعارضة، ويقول: «لا وجود لأي استقرار. جهاز المخابرات، الأمن الداخلي، الأمن الخارجي، كل شيء يتغير سنويا، وهذا أمر لم يسبق له مثيل. ضباط بالزي القتالي يجتمعون تحت إمرة رئيس أركان الجيش؟ هذا أيضا لم يحدث قط، وهو ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد». ويستحضر كيف أن الجزائر، التي كانت تعتز بمكانتها على الساحة الدولية، باتت اليوم تستجدي فرنسا لمنحها مزايا مثل ترحيل الصحفيين، معلقا: «جزائر السبعينات كانت تؤمم النفط دون انتظار رد من فرنسا! واليوم، بعد مرور خمسين عاما، تستجدي تسليم صحفي.. هذه هي الجزائر الحالية».

العلاقات الفرنسية الجزائرية.. انفراج وهمي

يرفض هشام عبود تماما فكرة حدوث انفراج في العلاقات بين باريس والجزائر، مبرزا أن الزيارات الأخيرة لمسؤولين فرنسيين كبار إلى الجزائر تمثل إخفاقات مدوية للسلطة الجزائرية التي لم تحصل على أي تنازلات ملموسة، ويقول: «زيارة وزير العدل جيرالد دارمانان كانت بمثابة صفعة في وجه النظام الجزائري. وتبون، هذا الرئيس الذي يدعي أنه لا يحاور سوى ماكرون، اضطر إلى استجداء الدعوة. هذه هي حقيقة العلاقات الفرنسية الجزائرية».

وبحسب هذا الصحفي فقد حاول الرئيس الجزائري استغلال هذه الزيارة للمطالبة بترحيل هشام عبود ومعارضين آخرين، لكن الوزير الفرنسي أوضح جليا أنه لا يملك أي سلطة على القضاة في بلاده.

ويرى عبود أن فرنسا هي المستفيد الأكبر من هذه العلاقة غير المتكافئة، ويعلق: «فرنسا تحصل على الآلاف من تصاريح المرور لترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير نظامية. لقد تمكن دارمانان من ترحيل ثلاثة آلاف شخص في عام واحد. هذا يعني أنه في نهاية المطاف، الجزائر هي التي تنصاع».

هجوم مضاد.. قضاء وتعبئة

أمام هذه الملاحقة الإجرامية، لا ينوي هشام عبود الوقوف مكتوف الأيدي، إذ يخطط للتوجه إلى محكمة باريس للاطلاع على وثائق الملف الأخير، ثم عقد مؤتمر صحفي في بروكسل لتوجيه نداء دولي أمام المفوضية الأوروبية، ويؤكد: «بعد بروكسل سأتجه إلى باريس. وعلى الصعيد القضائي، سنواصل السير في القضايا الجارية».

ويعتزم عبود خوض حملة على الصعيد الدولي ومتابعة الإجراءات القضائية التي تم الشروع فيها بالفعل، ولا سيما تلك المتعلقة بمحاولات الاغتيال في مدريد وبرشلونة. ويشدد على أنه ليس الوحيد الذي يتعرض لهذا القمع، لكن حالته تعتبر رمزا لعنف النظام. «لا أعتقد أن هناك أي شخص في العالم تعرض لعدد مماثل من محاولات الاغتيال والاختطاف. إنهم يفشلون لأنهم عاجزون، هذا كل ما في الأمر. وهذا أمر مهين للغاية»، يقول الصحفي بسخرية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 26/05/2026 على الساعة 11:30