الضمان الاجتماعي: إحداث شركتين تابعتين لإعادة هيكلة المصحات وتسريع التحول الرقمي

خلال اجتماع مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يوم الخميس 3 شتنبر 2026

في 04/09/2026 على الساعة 15:00

صادق المجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على إحداث شركتين فرعيتين، تُعنى الأولى بتدبير شبكة المصحات، بينما تتولى الثانية تسريع وتيرة التحول الرقمي، في خطوة تجيب عن رهانات استراتيجية ترسم معالم المرحلة المقبلة للمؤسسة.

وجاء هذا القرار خلال اجتماع عقده المجلس يوم الخميس 3 شتنبر 2026 برئاسة نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية؛ حيث نالت المبادرة الضوء الأخضر لإطلاق كيانين منفصلين، يختص أحدهما في قيادة شبكة الرعاية الصحية، في حين كُلف الآخر بإدارة الشق التكنولوجي.

ويرتبط هذا التوجه بمسارين أساسيين داخل الصندوق، أولهما شبكة مصحات ظلت لسنوات ترزح تحت عجز هيكلي يتطلب مقاربة تدبيرية خاصة، وثانيهما الورش الرقمي الذي بات ركيزة للنجاعة وجودة الخدمات والأمن السيبراني، خصوصا في أعقاب الهجوم الإلكتروني واختراق البيانات الشخصية الذي تعرضت له المؤسسة عام 2025.


حكامة جديدة للمصحات وفصل تدبير العلاجات عن التأمين

يأتي خيار تفريع المصحات تتويجا لمرحلة ممتدة من التعثر المالي والتشغيلي الذي طبع أداء الشبكة الصحية، فضلا عن كونه استجابة ملزمة لدفتر التحملات والضوابط التشريعية.

وعاشت هذه الوحدات الاستشفائية على مدى سنوات داخل حلقة مفرغة؛ إذ قوضت الديون المتراكمة قدرتها على ضخ استثمارات جديدة، وأدى تقادم التجهيزات إلى تراجع جاذبيتها، الأمر الذي فرمل نشاطها وفاقم خسائرها المادية.

وقارب العجز الهيكلي للمصحات حدود 250 مليون درهم سنويا مع حلول سنة 2024.

إثر ذلك، أخذت المؤشرات منحى مغايرا بفضل انطلاق برنامج إعادة الهيكلة؛ إذ ارتفع رقم معاملات الشبكة من حوالي 430 مليون درهم سنة 2021 ليصل إلى مشارف 700 مليون درهم متم 2025، موازاة مع تقلص فجوة العجز التراكمي.

وبعيدا عن لغة الأرقام، ظل النموذج التدبيري يطرح إشكالا قانونيا ملحا؛ حيث أوضحت مصادر الصندوق أن التحول إلى صيغة شركة تابعة يهدف أولا إلى الملاءمة مع التشريعات المنظمة لنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض «AMO».

وفي هذا الصدد، أفادت مصادر مسؤولة في المؤسسة بأن «تفريع مصحات الضمان الاجتماعي يكرس الامتثال للقانون، إذ لا مجال للاستمرار في التدبير المباشر من طرف الصندوق».

ويستند هذا التوجه أساسا إلى مقتضيات القانون رقم 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية، وبالتحديد المادة 44 التي تنص على الفصل بين المهام وتمنع الجمع بين تدبير التأمين الصحي وإدارة تقديم العلاجات والخدمات الطبية.

ويهدف مسار التفريع إلى إنهاء هذا التداخل المؤسساتي عبر إرساء شخصية اعتبارية وأجهزة حكامة مستقلة للمصحات، تنفصل كليا عن البنية الإدارية للصندوق الأم.

ولا يحمل هذا الإجراء طابعا مفاجئا؛ إذ صدر النص القاضي بإحداث هذه الشركة التابعة خلال السنة المنصرمة، غير أن دخوله حيز التنفيذ ارتبط بموافقة المجلس الإداري، وهو ما حسمه اجتماع 3 شتنبر لإطلاق مرحلة التنزيل الفعلي.

ولا تعني هذه الخطوة بأي حال خوصصة تلك المرافق الصحية؛ فالمصحات ستظل ضمن النطاق شبه العمومي وتحت وصاية الصندوق، مع الاشتغال بنظام شركة تابعة كاملة الصلاحيات وبأجهزة تسيير مستقلة تواكب خصوصيات الميدان الطبي والتطبيبي.

ويعيد هذا التنظيم خلط الأوراق بشأن الاستثمار الذي شكل لسنوات نقطة ضعف جوهرية، بعدما سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي انخفاضا مستمرا في الاعتمادات المخصصة لتلك الوحدات، ما عطل توسع الشبكة وأدخلها مرحلة جمود.

ويفتح الهيكل المستحدث نافذة لاستعادة وتيرة الاستثمار وتحديث المعدات ورفع تنافسية العرض العلاجي في سوق يشهد منافسة حادة من القطاع الخاص.

ويظل الرهان الحقيقي متجاوزا لمجرد تغيير الإطار القانوني، ليرتبط بقدرة الشركة الجديدة على إرساء حكامة متينة وصياغة نموذج اقتصادي قابل للاستمرار.

فرع تكنولوجي لمواكبة استراتيجية الرقمنة

وعلى نحو مواز، أقر المجلس الإداري تأسيس شركة تابعة تعنى بالتحول الرقمي، أُسندت إليها مهمة قيادة وتنزيل المخطط التكنولوجي للصندوق خلال السنوات القادمة.

ولا تقف غايات هذه البنية عند حدود رقمنة بعض المساطر أو الإجراءات العادية، بل تتعداها إلى تطوير الممارسات والخدمات الرقمية عموما، سواء تعلق الأمر بالنظم المعلوماتية والتطبيقات الداخلية أو عبر طرح حلول رقمية موجهة للجمهور.

وهنا يبرز دور منصة الابتكار الرقمي «Digital Factory»، حيث يؤكد المصدر ذاته أن مهمتها تنحصر في «تطوير مجموع الأصول والمنظومات الرقمية للصندوق».

وستتحول هذه الوحدة إلى ذراع تقني وتنفيذي يركز على هندسة المنتجات التكنولوجية وتسريع تحديث الأدوات البرمجية لفائدة الموظفين والمؤمنين والمرتفقين كافة.

ويترجم هذا الإجراء رغبة المؤسسة في بناء وتأهيل قدراتها الذاتية في مجال التطوير المعلوماتي لمواكبة الاتساع المستمر في مهامها.

من جانب آخر، شدد المتحدث على ضرورة الفصل التام بين اختصاصات الكيان الجديد ومهام الأمن السيبراني؛ فالشركة الرقمية لن تدير أمن الأنظمة المعلوماتية الذي يبقى من اختصاص مديرية وأجهزة متخصصة ومستقلة، في حين ينصب عمل «Digital Factory» على توسيع وتطوير النظام البيئي التكنولوجي للمؤسسة.

وينتظر أن تتولى الشركة التابعة مواكبة خارطة طريق تمتد لسنوات، في ظل نطاق عمل مرشح للتوسع تبعا للمستجدات والاحتياجات التكنولوجية المرتقبة.

تحرير من طرف وديع المودن
في 04/09/2026 على الساعة 15:00