مفارقة «توتال إنرجيز»: أسعار محددة في فرنسا وأسعار قياسية في المغرب

«توتال إنرجيز» تعتمد آلية طوعية لتسقيف أسعار المحروقات في فرنسا، وفق ما أكده رئيسها التنفيذي باتريك بوياني

في 05/11/2026 على الساعة 19:39

في الوقت الذي يقدر فيه باتريك بوياني الكلفة التجارية التي تحملتها مجموعة «توتال إنرجيز» في فرنسا، من أجل احتواء أسعار المحروقات بمحطات التوزيع، بنحو 500 مليون يورو، كانت فروع المجموعة بالمغرب تعرض، في فاتح نونبر بالدار البيضاء، أغلى سعر للغازوال في السوق، بفارق بلغ 59 سنتيما للتر الواحد مقارنة بأقل سعر سجلته إحدى الشركات المنافسة. وهو فارق استثنائي في السوق المغربية، في سياق يتجه فيه مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى فرض ضرائب أكبر على الأرباح الاستثنائية لشركات توزيع المحروقات.

المفارقة لافتة. ففي فرنسا، تبرز «توتال إنرجيز» آليتها الطوعية لتحديد سقف أسعار المحروقات، وهي المبادرة التي يقدمها رئيسها التنفيذي، باتريك بوياني، باعتبارها مجهودا تجاريا يهدف إلى الحفاظ على القدرة الشرائية لسائقي السيارات. أما في المغرب، فقد كانت العلامة التجارية نفسها، مطلع نونبر، تتصدر قائمة الأسعار المسجلة بعدد من محطات الوقود بالدار البيضاء.

فقد بلغ سعر لتر الغازوال بمحطات «توتال إنرجيز» 16.99 درهما، مقابل 16.40 درهما لدى «إفريقيا». أي بفارق قدره 59 سنتيما للتر الواحد، ما يعني كلفة إضافية تصل إلى 29.50 درهما عند ملء خزان بسعة 50 لترا. أما الأسعار المسجلة لدى «وينكسو» و«شيل» و«بترومين أويلز»، فقد بلغت 16.95 درهما، في حين حددت «يوم» السعر في 16.89 درهما.

وبالنسبة إلى البنزين الخالي من الرصاص، جاءت «توتال إنرجيز» أيضا في صدارة الأسعار الأعلى ضمن المعطيات المرصودة، بسعر 15.69 درهما للتر، مقابل 15.09 درهما لدى «إفريقيا» و14.99 درهما لدى «يوم».

يوم (Yoom)16.8914.99
توتال إنرجيز16.9915.69
وينكسو16.9515.38
إفريقيا16.4015.09
شيل (فيفو إنرجي)16.9515.38
بترومين أويلز16.9515.38

فارق استثنائي في السوق المغربية

بعيدا عن مستوى الأسعار في حد ذاته، فإن ما يسترعي الانتباه بالأساس هو حجم الفارق بين الشركات. فحتى الآن، كانت الفوارق بين الموزعين تقتصر، في الغالب، على بضعة سنتيمات للتر الواحد. لذلك، فإن تسجيل فارق يبلغ 59 سنتيما بين علامتين تجاريتين كبيرتين يشكل حالة غير مألوفة على الإطلاق، إن لم تكن سابقة بهذا الحجم في السوق الوطنية.

ويأتي هذا التباين في الأسعار عقب المراجعة الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح نونبر. وقد اختلفت التعديلات بشكل ملحوظ من شركة إلى أخرى؛ إذ رفعت بعض الشركات سعر الغازوال بـ50 سنتيما، في حين اعتمدت شركات أخرى زيادة قاربت درهما واحدا. وهكذا، أفضت الاستراتيجيات التجارية المعتمدة من قبل الموزعين إلى بروز فوارق غير معتادة.

ويكتسب هذا التموقع السعري في المغرب دلالة إضافية عند استحضار تصريحات باتريك بوياني في فرنسا. فقد كشف الرئيس التنفيذي لـ«توتال إنرجيز» أن الكلفة التجارية التي تحملتها المجموعة من أجل تحديد سقف لأسعار المحروقات بمحطاتها الفرنسية بلغت 500 مليون يورو. وتتيح هذه الآلية الطوعية للشركة احتواء أسعار البيع للعموم بمحطات الوقود، دون أن يتعلق الأمر بتدخل إداري لتحديد هوامش أرباح الموزعين.

ويدافع المسؤول عن هذه السياسة باعتبارها خيارا تجاريا مقصودا، يروم الحفاظ على القدرة الشرائية لسائقي السيارات وتعزيز جاذبية شبكة محطات المجموعة. كما ساهم تحديد سقف الأسعار في زيادة حجم المبيعات والحصة السوقية لـ«توتال إنرجيز» في فرنسا.

ومن هنا، يبرز تساؤل مشروع: إلى أي حد يمكن أن ينعكس المجهود التجاري الذي تتحمله المجموعة في السوق الفرنسية على استراتيجية فروعها في الأسواق الدولية؟ وهل يمكن أن يُطلب من هذه الفروع، بشكل مباشر أو غير مباشر، المساهمة في تعويض الخسائر التجارية المسجلة في فرنسا؟

صحيح أن «توتال إنرجيز المغرب» تشتغل في بيئة تنافسية وتنظيمية خاصة بها، وفق هياكل حكامة ومساهمين ومتطلبات اقتصادية تخصها. غير أن التساؤل يظل مشروعا بالنظر إلى التباين بين الخطاب التجاري للمجموعة في فرنسا والتموقع السعري الذي جرى تسجيله في المغرب.

ويأتي هذا التباين أيضا في سياق ضريبي خاص. إذ ينص مشروع قانون المالية لسنة 2027 على رفع نسبة الضريبة على الشركات من 35 إلى 40 في المائة، بالنسبة إلى الشركات التي تمارس أنشطة استيراد أو توزيع المحروقات، والتي يبلغ صافي أرباحها 100 مليون درهم أو يتجاوزها.

وتسعى الحكومة، من خلال هذا الإجراء، إلى تعزيز المساهمة الضريبية للشركات الأكثر تحقيقا للأرباح في هذا القطاع. وهو مقتضى يستهدف بشكل مباشر كبار الفاعلين في سوق المحروقات، في ظل استمرار حساسية مسألة تحديد الأسعار ومستويات هوامش الربح.

وبالنسبة إلى عدد من المراقبين، بل وحتى في صفوف بعض البرلمانيين، يمكن تفسير المستويات القياسية للأسعار المسجلة بمحطات الوقود منذ فاتح نونبر باعتبارها شكلا من أشكال رد شركات التوزيع على هذه المبادرة الضريبية. ووفق هذه القراءة، فإن الفاعلين في القطاع يبعثون برسالة مفادها أن تشديد الضغط الضريبي عليهم قد ينعكس على الأسعار التي يتحملها المستهلكون.

ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع فرضية الرد بالمثل أو «العين بالعين». إذ لا يوجد، إلى حدود الآن، ما يثبت وجود علاقة مباشرة بين التعديلات السعرية التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح نونبر والإجراء الضريبي المقترح. كما تدخل في تحديد الأسعار عوامل أخرى، من بينها تطورات أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، وظروف التزود، ومستويات المخزون، فضلا عن الاستراتيجيات التجارية الخاصة بكل شركة.

تحرير من طرف وديع المودن
في 05/11/2026 على الساعة 19:39