وحسب الجهة العلمية، فإن «مراكش مدينة أسسها الدين والسياسة واختلط في تكوينها العمراني والرمزي بالديني والسياسي ما صعب دوما فصل كل عنصر عن الآخر، لتصير حاضرة السياسة والتصوف في الغرب الإسلامي. فمند أن صارت عاصمة لدول وإمارات متعاقبة، تحولت إلى فضاء تتقاطع فيه السلطة والعلم والتصوف، ولذلك فإن تاريخ مراكش لم يقرأ فقط من خلال حروبها وأسوارها وإنما قرأ كدلك من خلال الشخصيات التي صنعت للمدينة ذاكرتها الروحية وحولت بعض أمكنتها إلى نسيج أساسي في المخيال الجماعي، ليس لأهل هده المدينة فقط، بل للمسلمين جميعا، فكان من هؤلاء القاضي عياض ومحمد سليمان الجزولي وأبو عباش السبتي وشخصيات أخرى».
وحسب نفس المصدر، فإنه في قلب هذه الذاكرة «يبرز أبو عباس السبتي واحدا من أشهر أولياء مراكش وأكثرهم حضورا في الوعي الجمعي المغربي. فقط استطاع عبر سيرته وتجربته الصوفية وما ارتبط به من أقوال ومواقف وكرامات ومحكيات، أن يحتل موقعا استثنائيا في تاريخ المدينة، حتى غدا اسمه جزاءا من هويتها الرمزية، ليظل أبو العباس السبتي على امتداد القرون الماضية، شخصية تستدعيها الداكرة الشعبية والصوفية المغربية، ليستعاد من خلالها سؤال العلاقة بين الله والإنسان والدين والمجتمع وبين التجربة الروحية ووالحياة اليومية».
من ثم، فإن ما يجعل تجربة أبي العباس السبتي جديرة بالاهتمام في نظر الجهة العلمية أنها «تتجاوز الصورة الألوفة للولي باعتباره شخصية صوفية تحاط بقصص المناقب وعجب الكرامات، فالرجل، كما تقدمه المصادر والذاكرة الشفهية يرتبط بتصور خاص للإحسان والصدقة، فقد جعل من العطاء والجود قيمة تتصل بإصلاح أحوال الفرج والجماعة والعالم، فكانت خلاصة مدهبه كما يقول ابن رشد أن الوجود ينفعل بالجود».
