مهرجان «ماطا» الدولي للفروسية: منصة عالمية لتلاقح الثقافات وتثمين التراث اللامادي لجبالة

مهرجان ماطا بالعرائش

في 17/06/2026 على الساعة 12:00

فيديواختتمت، أول أمس، بجماعة أربعاء عياشة بإقليم العرائش، فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي «ماطا» للفروسية بحضور شخصيات مغربية وأجنبية، بعد ثلاثة أيام من اللوحات التراثية البديعة ومن جلسات النقاش الحوارية الحضرية والاقتصادية.

ويتنافس العشرات من فرسان إقليم العرائش والضواحي، كل عام، وعلى مدار ثلاثة أيام على «عروس ماطا»، وهي تلك الدمية التي تصنعها نساء القرى بعد نهاية موسم حصاد، والتي دخلت التراث الإنساني العالمي بعد تسجيلها كلعبة للفروسية في قائمة التراث غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو.

قرية ازنيد تحتضن ثقافات العالم

يقع مدشر ازنييد بتراب جماعة أربعاء عياشة، حوالي 40 كيلومترا عن مدينة العرائش، وهو الدوار الذي احتضن فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للفروسية «ماطا»، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

وعاش حضور رسمي ودبلوماسي وثقافي كبير من مختلف بلدان العالم، وبينها دول أوروبية وإفريقية على إيقاعات مهرجان الفروسية «ماطا»، الذي يحتل موعدا قارا ضمن أجندات مهرجانات الفروسية بالمغرب.

وتعد قرية ازنييد، الذي تقام على فضاءاتها فعاليات مهرجان «ماطا»، من بين القرى الفلاحية التي تعرف بزراعات متنوعة غالبيتها القمح والشعير والذرة، إلى جانب عشرات القرى القريبة من أربعاء عياشة والقطب الديني مولاي عبد السلام بن مشيش الذي يتوافد عليه المئات من المريدين من مختلف بقاع العالم كل عام.

وتوافد على مهرجان «ماطا» مئات السياح المغاربة كما الأجانب خصوصا من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى جانب زوار من دول إفريقية عديدة. واستضاف المهرجان فعاليات فنية جعلت من المدشر بوابة عالمية للتعريف بما يزخر به الإقليم خصوصا في مجالات فلاحية متعددة حيث تعرض منتجات فلاحية ومجالية في المعرض الذي يقام بهذه المناسبة ويوفر فضاءات لأزيد من 60 عارضا من الشمال إلى الجنوب.

ماطا وانفتاح على إفريقيا

لعبة «ماطا» المسجلة ضمن التراث الإنساني العالمي بتنسيق مع وزارة الثقافة والاتصال، قبل سنوات، تستقبل كل عام ثقافات أخرى للحوار والنقاش وعرض كل ما تزخر به بلدان مشاركة من تراث لا مادي متنوع، في تأكيد جديد على المكانة التي بات المهرجان يحتلها كموعد تراثي باعتباره أحد أبرز التظاهرات الثقافية بالمملكة.

وتعد فضاءات مهرجان «ماطا» الدولي للفروسية بمدشر ازنييد، وأحد أهم واجهات التعريف بالموروث اللامادي المغربي على الصعيد الدولي، خصوصا بعد انفتاحه على دول إفريقية صديقة وشقيقة حضرت فعاليات هذه الدورة إلى جانب منتجاتها المجالية في المعرض المقام بالمناسبة، كما الشأن بالنسبة للندوات التي تابعها عدد من السفراء والدبلوماسيين وممثلي المؤسسات بإفريقيا.

وبات «ماطا» كمهرجان تحول بعد تصنيفه كتراث لامادي إنساني إلى منصة دولية للتعريف بالتراث المغربي الأصيل وقيم التسامح والتعايش والانفتاح التي تميز المملكة، حيث برزت في هذه الدورة كل تفاصيل دوره كداعم للتنمية المحلية والسياحية والثقافية التي تزخر بها منطقة جبالة.

مهرجان «ماطا» الذي تشرف على فعالياته الجمعية العلمية العروسية للعمل الاجتماعي والثقافي، جمع ثقافات متعددة من ‘فريقيا في ندوات ولقاءات ناقشت قضايا عديدة، بينها قضية الصحراء المغربية إلى جانب قضايا اقتصادية.

منافسة مثيرة لفرسان المنطقة

عرفت الدورة الحالية لمهرجان ماطا مشاركة واسعة لفرسان القبائل الجبلية الذين تباروا في لعبة «ماطا» التراثية، وهي منافسة فريدة تمارس على ظهور خيول غير مسرجة، يتسابق خلالها الفرسان للفوز بدمية ترمز إلى العروس، في مشهد يجسد قيم الشجاعة والمهارة وروح الجماعة، ويعكس جانبا أصيلا من الموروث الثقافي لقبائل بني عروس ومنطقة جبالة عموما.

واستقطبت لعبة ماطا هذا العام أزيد من 400 فارس من عشرات الدواوير والمداشر الشهيرة بمنطقة بني عروس واربعاء عياشة بإقليم العرائش وهو ما جعل المنطقة تضرب موعدا مع واحد من أبرز المهرجانات المخصصة للفروسية بشمال المغرب.

لعبة ماطا التي تعد لعبة من ألعاب الفروسية الفريدة في الشمال وفي المغرب عامة، تعود جذورها إلى قرون خلت في منطقة جبالة، حيث ارتبطت تاريخيا بالاحتفالات الجماعية التي كانت تنظمها القبائل المحلية مع حلول فصل الربيع وكذا نهاية موسم الحصاد، حيث تقوم اللعبة على التنافس بين فرسان يمتطون الخيل، في محاولة للاستحواذ على دمية تقليدية من القصب والأقمشة، تُعرف باسم «العروس»، التي تصنعها نساء القبائل من القصب والأقمشة بعد انتهاء موسم غربلة القمح.

ماطا تناقش الاقتصاد الوطني والإفريقي والعالمي

وقعت اللجنة المنظمة لمهرجان ماطا الدولي هذا العام على اجندة فكرية وثقافية الى جانب أمسيات فنية عرفت مشاركة فنانين من المنطقة ومن كل ربوع المغرب، حيث رفعت الدورة شعارات ترتبط بالوحدة الوطنية والتنمية المجالية، كما استحضرت خلالها ماطا الذكرى الخمسين للمسيرة التنموية بالأقاليم الجنوبية للمملكة.

وفي الندوات الفكرية التي أقيمت بكل من فضاء المهرجات ومدينة طنجة، جرى تسليط الضوء على مبادرة الواجهة الأطلسية باعتبارها مشروعا استراتيجيا لتعزيز التعاون والانفتاح على العمق الإفريقي، كما ناقش المشاركون بينهم وزراء وباحثين من المغرب ودول إفريقيا على هامش المهرجان التحديات الراهنة للمملكة في مجالات متعددة بينها الماء الى جانب آفاق الانفتاح على الأسواق الأفريقية.

وشملت ندوات مهرجان ماطا ندوات فكرية وثقافية ومعارض للمنتجات المجالية والصناعة التقليدية، إلى جانب فضاء اقتصادي تضامني عرف مشاركة تعاونيات مغربية وإفريقية تمثل عددا من الدول الشقيقة، من بينها السنغال ومالي وساحل العاج وبنين وبوركينا فاسو، بما يعزز البعد الإفريقي للمهرجان ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي بين الشعوب.

ويواصل مهرجان «ماطا» ترسيخ مكانته كأحد أبرز المواعيد الثقافية في المغرب، وواجهة للتعريف بالموروث غير المادي لمنطقة «جبالة»، وبالقيم الإنسانية والرمزية التي يحملها هذا التقليد العريق، الذي استطاع أن يصمد في وجه التحولات وأن ينتقل من ذاكرة القبيلة إلى فضاء الإشعاع الوطني والدولي.

ونجحت فعاليات مهرجان ماطا الدولي هذا العام في تحقيق الرهان من خلال المحافظة على التراث والانخراط في رهانات التنمية بالمنطقة وبالمغرب عامة، ليصبح فضاءً للتلاقي الثقافي والحوار الحضاري والتبادل الاقتصادي، وجسرا يربط بين المغرب وعمقه الإفريقي، في ظل العناية المولوية السامية التي يوليها الملك محمد السادس لصون التراث الوطني وتثمينه.

تحرير من طرف سعيد قدري
في 17/06/2026 على الساعة 12:00