عبد الرزاق سماح: الرسول الخاتَم والرسالة الخاتِمة

عبد الرزاق سماح / باحث وكاتب في الفكر والحركات الإسلامية

عبد الرزاق سماح / باحث وكاتب في الفكر والحركات الإسلامية . Le360

في 22/08/2026 على الساعة 21:14

مقال رأيبسم الله، والصلاة والسلام على النبي الخاتَمِ الخاتِمِ، محمد بن عبد الله الأمين، المبعوث رحمة للخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتَّبع هُداه إلى يوم الدين، أما بعد:

1-الخصائص النبوية

نقد المسارات التقليدية في تناول السيرة النبوية:

لقد لوحظ في كثير من الدراسات المعاصرة للسيرة النبوية أن التركيز ينحصر غالبا في أحداث متكررة ومعروفة مع أهميتها، كما ينحصر في الطقوس الشكلية والتناول التراثي المجرد، ما يؤدي إلى طمس معناها العملي وفقدان الإنسان القدرة على استدعاء أثر الوحي في حياته اليومية.

كما أنها لا تكشف عن العمق الحضاري للأبعاد الأساسية التي تحتاجها الأمة. وهذا يَعكس قُصوراً في جعل السيرة النبوية مرجعاً حياً للفعل اليومي للإنسان، كما يُبرِزُ الحاجة إلى إعادة النظر في كيفية استثمارها لتكون أساساً للتوجيه العملي وليس مجرد طقس أو ذكرى محفوظة.

فدراسة السيرة النبوية يُرجى أن تكون مَدخلاً لفهم ديناميات الواقع المعاصر وتوجيه الفعل الحضاري. وتحويلها إلى مرجع حي وفاعل للتربية والبناء والقيادة، يؤطر العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويستثمر الدروس العملية لمواجهة تحديات العصر. لأنها تمثل ترجمة عملية للقيم القرآنية، حيث تُظهِرُ أثر الوحي في سلوك الإنسان ومجتمعه، فتصبح معياراً لفهم الواقع واتخاذ القرارات المسؤولة.

كما يجب التأكيد والإشارة من خلال دراسة السيرة النبوية إلى أهمية التوازن بين الثوابت العقدية والمرونة في التطبيق العملي، بحيث تبقى السيرة إطاراً ديناميكياً يربط بين المبادئ الأساس للدين ومتطلبات الواقع المتغير، ويعيد الحياة إلى القيم القرآنية في كل جانب من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية.

1- السيرة النبوية بوصفها بيانا تجسيديا للوحي:

إن السيرة النبوية ليست مجرد أحداث تاريخية متتابعة، بل هي الشاهد العملي على حقيقة الوحي، والترجمة الواقعية للقيم القرآنية في حياة الإنسان والمجتمع، سواء في الأخلاق، أو السياسة، أو التربية، أو الثقافة أو العلاقات الاجتماعية.

فمن خلال السيرة النبوية يظهر القرآن وقد تحوّل من كلام مكتوب إلى واقع مَعيش، ومن قِيم مُجردة إلى مواقف عملية، توجه الإنسان والمجتمع نحو البناء الحضاري، مع ضمان التوازن بين العقل والتطبيق العملي.

2-السيرة مرجع اعتباري للقيم البشرية الجامعة :

فالسيرة النبوية باعتبارها مرجعية أخلاقية وإنسانية، لا تقتصر على الوعظ أو السرد، بل تؤسس لمنظومة قيم قادرة على توجيه الواقع المعاصر. فهي تُعَلم المسؤولية الفردية والجماعية، وتؤسس لمبادئ الحرية والعدالة والصدق وحفظ الحقوق والتكامل الاجتماعي. فتصبح السيرة النبوية في هذا الإطار أداة لتقييم الخطوات الحضارية للأمة، وتحليل المواقف اليومية وفق منظومة قيم راسخة لا تقبل المساومة أو التهاون.

4- العلاقة العضوية بين القرآن والوحي والسيرة النبوية :

لا بد من إظهار المعنى التكاملي بين القرآن والسيرة النبوية. لأن استحضار الوحي ليس مجرد تلاوة، بل وعي ومنهج حياة، حيث يصبح أثر القرآن حاضراً في كل جانب من سلوك الفرد والمجتمع، مؤثراً في التربية، والقرار، والعمل الجماعي.

وفي سياق الحاجة الماسة إلى تجديد أدوات قراءة السيرة النبوية وتفعيلها في الوعي المعاصر، نسعى إلى نعرضها « كنموذج حضاري قابل للتنزيل والتحقيق » باعتبارها مرجعية قيمية تصلح لإعادة صياغة وبناء إنسان متوازن في روحه وفكره وسلوكه في العصر الحديث.

فسوف نعرضها في حلقات من خلال إعادة قارئتها بمناهج فكرية معاصرة شاملة، تراعي البعد المعرفي المتطور، كما تراعي التغيرات الفكرية والمناهج المتبعة في هذا الواقع الإنساني المتحرك.

ونستهل هذه الحلقات بالخصائص النبوية.

1-الخصائص النبوية

إن من أشرف الخصائص النبوية وعلامة رفعته وعلو شأنه ﷺ عند ربه أنه تعالى ختم النبوات برسالته المباركة، فجعله خاتَم الأنبياء والرسل، فلا نبيَّ بَعْدهُ ولا رسول، وجعل رسالته خاتمة الرسالات رحمة للعالمين، كما جعل كتابه (القرآن) اخر الكتب.

فإذا كان النبيُّ ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، والإسلام هو خاتَم الدِّيانات السَّماوية، فبالضرورة أن تكون سُنَّته ﷺ التي أبان فيها شريعتَه، ووضَّح فيها دينَه، قد اكتسبت صِفَةَ خاتِمةِ الرسالات تَبَعاً لصاحبها ﷺ إذ هو خاتم الأنبياء والمرسلين. يقول تعالى:﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اَ۬للَّهِ وَخَاتِمَ اَ۬لنَّبِيٓـِٕۧنَۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ بِكُلِّ شَےْءٍ عَلِيما) (الأحزاب: 40). (1).

يقول الإمام الطبري في تفسيره للآية:" (خاتَم) بفتح التاء، بمعنى أنهم به خُتِموا، فهو كالخاتَم والطابع لهم. و(خاتِم) بكسر التاء، بمعنى أنه خَتَمَهُم أي جاء آخرهم.

قال الحافظ ابن حجر: وفضل النبي على سائر النبيين، الله تم به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين.« (2).

قال ابن كثير رحمه الله: « فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدِّين الحنيف له، وقد أخبر اللهُ تعالى في كتابه، ورسولُه ﷺ في سنته المتواترة أنه لا نبيَّ بعده؛ ليعلموا أنَّ كلَّ مَن ادَّعى هذا المقام بعده فهو كذَّاب أفَّاك دجال ضالٌّ مُضِلٌّ » (3).

ولختم الرسالات برسالته ﷺ عدة مقتضيات أهمها:

1-عمومُ رسالتِه وصلاحيتُها:

فقد بُعث ﷺ لتبليغ رسالة الإسلام إلى جميع الخلق من إنسٍ وجنٍّ وعربٍ وعجمٍ، ورسالته عامة وشاملة لكلِّ الناس وصالحةً إلى قيام الساعة.

وقد أُمرهُ الله أن يقول ذلك للناس جميعاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 157).

وقال تعالى في شأنه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) [سبأ: 28].

وقال:(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان،1).

قال الإمام القرطبي:" والمراد بالعالمين هنا الانس والجن، لأن النبي ﷺ كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما« . وقوله ﷺ:{كانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى كُلِّ أحْمَرَ وأَسْوَدَ}. (4).

وقوله ﷺ: {أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي… وذكر منها: وكان النبي يُبعثُ الى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة} (5).

فتأخر بِعْثَتِه ﷺ على سائر الأنبياء جعلها الله عز وجل غير خاصة بأمة، كما جعلها أيضاً هي المُتابَعَة من قِبَلِ كل الأمم من قبلها على اختلاف شرائعهم، بل جعلها شاهدةً عليهم يوم القيامة.

فلا يليق بهذه الأمة الخاتَمَة التي أَعْطِيَت هذا المقام الذي رُشحت له، أن تُعَطِّل ما جُعِلَ لها مَقامَ فخر ومقام إعلاء ومقام تَمَيُّز، فتجعله بتفريطها في مقام نبيها مقاماً هَمَلا، تَرْضى لنفسها المهانة والخذلان.

فالله خصها بتكريم عال انتقل لها من رسول الله ﷺ الذي اخْتُص به رأساً وأصالةً، فالواجب على هذه الأمة أن تَعْرِف حَقَّهُ وقَدْرَه، وأن تعرف المكانة التي رُفِعَتْ لها بفضله، فلا تنزل بنفسها عما رُفِعَت له من محل للتكريم بسبب هذا النبي الخاتم ﷺ، وكأنها استهانت بهذا الاختيار والتكريم الرباني.

قد رَشَّحوك لأمر لو فَطِنت له {} فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل. (6)

وقال رسول الله ﷺ: {مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا وقد أُعْطِيَ من الآيات مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ القِيَامَةِ} (7).

قال الحافظ ابن حجر: والمراد بالآيات: المعجزات. ثم أورد أقوالاً منتقاة في تمييز آية النبي ﷺ التي استحق عليها أكثرية تابعيه يوم القيامة، من أحسنها:" أن المعجزات الماضية كانت حِسِّية تُشاهد بالأبصار ... ومُعْجِزة القرآن تُشاهدُ بالبصيرة، فيكون من يَتَّبِعُهُ لأجلها أكثر، لأن الذي يُشاهَدُ بعين الرأس ينقرض بانقراض مُشاهِدِهِ، والذي يُشاهَدُ بعين العقل يُشاهِدُه كل من جاء بعد الأول مستمراً) (8)(9).

2- كمالُ رسالتِه وتَمامُها:

فَخَتْمُ الرسالات برسالته ﷺ يستلزم كمالها، وعدم احتياج البشر إلى رسالة أخرى حتى قيام الساعة، فهي رسالة تامَّة كامِلَة، وقد أكد الله تعالى هذا الكمال في يوم عرفة بقوله سبحانه:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

قال ابن كثير رحمه الله: « هذه أكبر نِعَمِ الله تعالى على هذه الأُمَّة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينَهم، فلا يحتاجون إلى دينٍ غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم ﷺ، ولهذا جعلَه الله تعالى خاتمَ الأنبياء، وبَعَثَه إلى الإنس والجن... فلمَّا أكملَ لهم الدِّين تمَّت عليهم النِّعمة، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ﴾؛ أي: فارْضَوْهُ أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدِّين الذي أَحبَّه الله ورضِيَه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه »(10).

3-حِفْظ رسالتِه من التبديل والتحريف:

وقد تعهد الله تعالى بالحفظ للكتاب والسنة بقوله سبحانه:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

فالفرق بين الكتاب الخاتَم والكُتُب السماوية السابقة أن حِفْظَها قد ُردَّ إلى أهلها من الربانيين والأحبار.

يقول الشنقيطي رحمه الله:" إن قيل ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كل منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والتوراة حُرِّفتْ وبُدِّلتْ…. والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل؟" كان الجواب: إن الله قد استحفظهم التوراة واستودعهم إياها(اليهود)، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عَمْداً، والقرآن العظيم لم يَكِلِ الله حِفْظَه إلى أحد حتى لا يُضيَِّعَه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة) (11).

ولا يخفى وجه انتقال خصوصية معجزة النبي ﷺ هذه وحفظها إلى أُمَّتِه أخذاً وعطاءً، فلا يزال حفظ كتابها تكرمة عظيمة لها إلى قيام الساعة، على جهة التكفيل لا على جهة التوكيل والتعويل. وحفظ الكتاب لا يعني فقط أن الله حَفِظَهُ من التحريف والتبديل، ولكن أيضا ما ترتب على هذا الكتاب من الشرائع والأحكام والآداب، ودواعي التحضر والتقدم، ومن دواعي رفعة هذه الأمة بالنظر الى سائر الأمم، كل ذلك يمتد إليه الحفظ، وما دامت هذه الأمة الخاتَمة متعلقة بهذا الكتاب الخاتَم، وعارفة قدره عند الله، ستستمر محفوظة بحفظ هذا الكتاب، وستستمر في حال من العزة والسؤدد والرفعة، حتى تكون كما أخبر عنها ربنا عز وجل: (.. وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس..) (البقرة:143).

وحتى تكون أمةً شاهدةً على سائر الأمم، فإن ذلك لا يأتيها إلا من هذه الجهة، جهة الخصوصية الإعجازية المتعلقة بالكتاب الخاتَم، الذي لم يُنزَّل إلا على رسول الله ﷺ.(12)

4-دوام معجزته ليوم الدين (القرآن):

إن جميع معجزات الأنبياء انتهت وفَنِيَتْ، عدا مُعْجِزَتُه ﷺ، فهي من المعجزات الخالدة إلى يوم الدين...

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: {مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ من الآياتِ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ... }(13).

فالقرآن هو مُعْجِزَتُه العظمى التي اخْتُصَّ ﷺ بها دون غيره. « وقد خص الله عز وجل هذا الكتاب ونبيه ﷺ بصورة عظيمة هي سورة البقرة، لإظهار علو مكانته الرفيعة. فأنزل عز وجل أواخر هذه السورة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبله»(14).

يقول العلامة ابنُ حَجَرٍ رحمه الله عن هذه المعجزة الكبرى الخالدة: « المراد أنه المعجزة العظمى(القرآن) التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أعْطِيَ مُعجزةً خاصةً به لم يُعطَها بعينها غيره، تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبةً لحال قومه ... ولهذا لما كان العرب الذين بُعِثَ فيهم النبي ﷺ في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله ، فلم يقدروا على ذلك» (15).

يقول القاضي: « فإن معجزات الرسل كانت بقدر هِمَمِ أهل زمانهم وبحسب الفن الذي سَمَى فيه قرنه... ثم إن الله تعالى بعث محمداً ﷺ وجملة معارف العرب وعلومها أربعة: البلاغة والشعر والخبر والكهانة، فأنزل الله القرآن الخارق لهذه الأربعة، من الفصاحة والايجاز والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم ...الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه، ولا علموا في أساليب الأوزان منهجه... وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم وعُدِمت بعدم ذواتها فلم يبقى إلا خبرها، ومعجزة نبينا ﷺ القرآن العزيز، الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته على ما كان عليه من أول نزوله الى يومنا هذا، (منذ أكثر من 1400 عام)، حجته قاهرة لا تبيد ولا تنقطع، وآياته تتجدد ولا تضمحل… ومعارضته ممتنعه ..(16).

« فهو كتاب خالد لا ينضب معينه، ولا تنقضي عجائبه، ولا تُبلى جِدّته، ولا تنتهي فوائده، محفوظ بحفظ الله عزّ وجلّ من التغيير والتبديل والتحريف ». (17)

5-أن الله أخذ له ﷺ الميثاق والعهد من جميع الأنبياء، بالإيمان به ونصرته:

قال تعالى:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال آأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا) (آل عمران:81).

فأخبر سبحانه أنبياءه أن عليهم الإيمان بمحمد وقت مجيئه، وأن عليهم نُصرتُهُ وتَأْييدُه، وقد أقر الأنبياء بذلك، فآمنوا برسالته، وأقروا ببعثته. وهذه الخصوصية ليست لأحد منهم سواه.

«وكل نبي أخذ العهد والميثاق على أمته أنه لو بُعِثَ محمد بن عبد الله فيهم أن يُتابِعوه عليه الصلاة والسلام، ولا يَتبِعون نبيهم، بل يتبعون محمداً ﷺ إذا ظهر فيهم».

يقول صاحب الشفا: «ومن كراماته وتفضيله ما تضمنته كرامة الإسراء، وما انطوت عليه من درجات الرفعة من المناجاة والرؤية، وإمامة الأنبياء، والعروج به إلى سدرة المنتهى، وتجديد العهد الذي أخذه الله على الأنبياء من قبل، بحيث جمع الله تعالى له أرواح بعض الأنبياء فصلى بهم إمامًا في المسجد الأقصى، والإمامة بالناس لها من الدلالة ما لها، فكيف إذا كانت الإمامة بالأنبياء ؟! وذلك تأكيدًا لفضله، وتنبيهًا على شرفه».

وهو في بيت المقدس وقبل عروجه إلى سدرة المنتهى، وبعد ثناء الأنبياء على ربهم أثنى هو أيضا على ربه فقال: «... الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً...ورفع لي ذكري وجعلني فاتحاً وخاتما».

فلما عُرج به وكان عند سدرة المنتهى أجابه ربه تعالى بقوله: «قد اتخذتك خليلاً وحبيبا… وأرسلتك إلى الناس كافة...وأعطيتك سبعاً من المثاني ولم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتما» (18).

وسبحان الله على توافق كلام ربنا عز وجل مع كلام نبينا ﷺ: « وجَعَلْتَني فاتحاً وخاتِما...وجعلتك فاتحاً وخاتِما ». ولهذا استحق حبيبنا المصطفى ﷺ كل هذه العطايا من ربنا عز وجل والتي لم يعطها نَبِيّ قبله، وزاده عطاء أكثر فأكثر.

6-الشفاعة العظمى والمقام المحمود: قال ابن كثير في قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء:79). قال ابن عباس: « هذا المقام المحمود مقام الشفاعة».

قال الحافظ:" والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي اختص بها، وهي إراحة أهل الموقف من أهوال القضاء بينهم والفراغ من حسابهم. (19).

قال الطبري رحمه الله: أكثر أهل العلم على أن ذلك هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم؛ لأن الناس يكربون يوم القيامة كربة عظيمة حتى يتمنى الكفار الانفكاك من الموقف ولو إلى النار... والناس يَفْزَعون يريدون الفكاك، يطوفون على الأنبياء واحداً واحداً لِيَنْفَرِجَ الموقف ولِتَنْفَكَّ الأزمة، كُلّ يَحولُهُم، حتى يصلوا إلى النبي ﷺ فيقوم ويستأذن على ربه، ويدخل عليه، ويسجد تحت العرش، السجدة الطويلة التي يفتح الله عليه فيها بمحامد وأدعية لا نعرفها، ثم يقول:{يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تُشَّفَعْ...}(20).

فيعطى الشفاعة في أهل الموقف، فيبدأ الحساب وتنفك أزمة الموقف... فهذا المقام المحمود يَحْمَدُهُ عليه كل الخلق؛ لأنه سبب فك الأزمة، وانفضاض الناس من الموقف للحساب... فهو سيد الناس يوم القيامة.

قال القاضي: «السيد الذي يفوق قومه، والذي يفزع إليه في الشدائد. والنبي ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما أخص يوم القيامة بارتفاع السؤدد فيها وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه ﷺ»(21) (22).

7-عطائاته الربانية المتنوعة لنبيه :

« إن الله عز وجل نظر في قلوب عباده فوجد قلب رسول الله ﷺ خير قلوب العباد، فأظهر سبحانه في محكم تنزيله عظيم قدره وشرف منزلة نبيه عنده، فخصه بأعظم فضل، وأكرم منزلة وأعلى رتبة في الدارين، وهذا من تمام عدله سبحانه وتمام فضله، فهو سبحانه أعلم بمن يستحق فضله ومن هو أهل لحمل نعمه وشكره »(23).

« فلا خلاف أنه أكرم البشر وسيد ولدي آدم، وأفضل الناس منزلة عند الله، وأعلاهم درجة وأقربهم زلفا، فأعطاه من عطاياه الربانية حتى رضي: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) »(24).

فجمع الله لنبيه ﷺ بين القبلتين، حيث قال سبحانه مخاطبا نبيه:( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فولي وجهك شطر المسجد الحرام) (البقرة،144).

قال الحافظ ابن حجر:" وفيه بيان شرف المصطفى ﷺ وكرامته على ربه، لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال) (25).

وهذا الانتظار لتغيير القبلة من قبل الرسول ﷺ أثمر غاية الإرضاء، وكان الاستعجال في مثل هذا الموقف يُخالف شرط أدب المُحِبِّ، وشرط أدب العارفين، فكانت البشارة على قدر الاستحقاق، فوقع الوفاق والاتفاق دون تكلف، وهذا أفضل ما يكون الوفاق بين المحبين، أن يَعْرِف المحب طُموح وهوى وتطلع من يُحِب، فيستجيب دون أن يطلب المحبوب." وفيه دلالة على كمال أدبه ﷺ مع ربه« . (26)(27).

وبذلك استحق منزلة الوسيلة والفضيلة في الجنة، وقد طلب من أمته ﷺ أن تسألها له من الله عز وجل عند سماع الآذان لكل صلاة. قال رسول الله ﷺ: {من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة} (28).

وقال: {ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة} (29).

وقالَ تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر:1).

قالت أمنا عائشة رَضيَ اللهُ عنهُا: {هو نهرٌ أُعطيه نبيكم ﷺ شاطِئاه عليه درٌّ مجوَّفٌ، آنيتُهُ كعَدَدِ النجومِ}.(30)

8-أولياته:

قال رسول الله ﷺ عن نفسه: {أَنا أوَّلُ من تنشقُّ عنهُ الأرضُ يومَ القيامةِ ولا فَخرَ}.(31).

وأنّا أوّل من يقرع باب الجنة، وأوّل من يدخلها: {أنا أولُ مَنْ يَقرَعُ بابَ الجنةِ} (32).

وقال أيضًا: {آتي بابَ الجنةِ يومَ القيامةِ، فأستفتِحُ، فيقولُ الخازِنُ: مَنْ أنت؟ فأقولُ: محمدٌ، فيقولُ: بك أُمرتُ لا أفتحَ لأحدٍ قبلَك}.(33).

ولولا مخافة الإطالة لزدنا من رحيق خصائصه ﷺ ، ومن سيرته العطرة التي لاقت من الحَفاوة والتعَظَيمَ، حيث تمَّ رصدُ وتسجيلُ وكتابةُ حياته كاملةً، وسُنَّتِه بأكملها دون عوار أو نقصان، حتى في أدقِّ تفاصيل حياته الخاصة؛ إذْ ليس هناك ما يُستحى منه، ولا هناك ما يَعيبُ ذِكرُه، فحياتُه واضحةٌ لا غموض فيها ولا التباس، وسيرتُه العطرة ساطعةٌ سطوع الشمس، يمكن لكلِّ أحد أنْ يطَّلع عليها، وليس فيها ما يُشعر بالخجل أو العار، وكذا سُنَّته المباركة واضحةٌ ساطعة لم يُطمَس مَعْلَمٌ من معالمها، ولم يذهب ركن من أركانها، فجاءت مستوعبةً كلَّ نُظُمِ حياتنا، مُجسِّدةً نماذجَ القدوة والأُسوة التي تحتاجها البشرية جمعاء.(34) .

يتبع...

المراجع:

  1. منهج القرآن الكريم في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وتكريمه، عبد الرحمن بن عبد الجبار صالح هوساوي، ص 328.
  2. فتح الباري، ج 8، ص 192.
  3. تفسير ابن كثير، ج 3، ص 494.
  4. صحيح مسلم، حديث رقم: 867.
  5. صحيح البخاري، حديث رقم: 335، وصحيح مسلم، حديث رقم: 521.
  6. محاضرات الخصائص النبوية، د. عبد الرزاق مرزوق، المحاضرة الثالثة، أكاديمية السيرة النبوية، مركز الأبحاث في السيرة النبوية وتراثها الأندلسي المخطوط.
  7. صحيح البخاري، حديث رقم: 4696.
  8. المرجع السابق، المحاضرة الرابعة، بتصرف.
  9. فتح الباري، ج 8، ص 623.
  10. تفسير ابن كثير، ج 2، ص 13.
  11. أضواء البيان، ج 1، ص 405.
  12. المرجع السابق، المحاضرة السادسة، بتصرف.
  13. صحيح البخاري، حديث رقم: 4981.
  14. المرجع السابق، المحاضرة الثانية، بتصرف.
  15. فتح الباري، ج 8، ص 623.
  16. الشفا، القاضي عياض، ص 222-223، بتصرف.
  17. مقال «خصائص النبي محمد المصطفى وميزاته البارزة في العالم»، د. عبد الصمد الندوي، بتصرف.
  18. الشفا، القاضي عياض، ص 115-119، بتصرف.
  19. فتح الباري، ج 3، ص 397.
  20. صحيح البخاري، حديث رقم: 3340، وصحيح مسلم، حديث رقم: 194.
  21. تحفة الأحوذي، ج 7، ص 103.
  22. المرجع السابق، المحاضرة الرابعة، بتصرف.
  23. الشفا، القاضي عياض، ص 38-39، بتصرف.
  24. الشفا، القاضي عياض، ص 148، بتصرف.
  25. فتح الباري، ج 1، ص 118.
  26. تفسير الآلوسي، ج 2، ص 8.
  27. المرجع السابق، المحاضرة السابعة، بتصرف.
  28. صحيح البخاري، حديث رقم: 614.
  29. صحيح مسلم، حديث رقم: 384.
  30. صحيح البخاري، حديث رقم: 4965.
  31. حادي الأرواح، ابن القيم، رقم: 267.
  32. صحيح مسلم، حديث رقم: 196.
  33. صحيح مسلم، حديث رقم: 197.
  34. مقال «الرسالة الخاتمة»، د. محمود بن أحمد الدوسري، بتصرف.
تحرير من طرف عبد الرزاق سماح / كاتب في الفكر والحركات الإسلامية
في 22/08/2026 على الساعة 21:14