انطفأ الصوت الصادح الذي طالما ملأ فضاءات الأطلس وربوع الوطن شجنا، إثر مضاعفات ورم سرطاني خبيث على مستوى الحلق سلبه القدرة على الكلام والغناء في أيامه الأخيرة.
وشيعت الأوساط الفنية والشعبية ابن مدينة الخميسات، مخلفا لوعة كبرى وأسى عميقا في وجدان رفاق دربه وعشاق فنه في ربوع المملكة.
نغم عابر للهجات وسحر يروض «الوتر»
انطلقت مسيرة بوتمزوغت، الذي رأى النور في مدينة الخميسات سنة 1964، من قلب زمور، وتشبع مبكرا بأهازيج بيئته المحلية ليصنع منها هوية موسيقية أصيلة امتدت لأربعة عقود.
وسرعان ما برز اسمه عازفا بارعا على آلة «الوتر»، بعدما نجح بأنامل مقتدرة في تطويع نغماتها ودمج الإيقاع التراثي العريق بالروح العصرية، حاميا الذاكرة الأمازيغية من طمس النسيان.
تربع الراحل (62 سنة) في صدارة العازفين المهرة على آلة «الوتر»، تلك الآلة الخشبية الأصيلة التي طوع أوتارها ببراعة نادرة ليجمع عبرها بين عراقة التراث المحلي ونبض التجديد الموسيقي. وقد منح هذا العزف بصمة خاصة ميزت رصيده الفني، جاعلا من ألحانه وثيقة حية تصون الذاكرة الجماعية لمنطقة زمور وتحمي الموروث الأمازيغي من الاندثار.
وبلغت شهرة بوتمزوغت عنان الساحة الوطنية بفضل الأغنية الخالدة «سامحي آيما سامحي»، إذ تسللت هاته الأغنية التي يتغنى فيها عن الأم بعفويتها وشجونها إلى بيوت المغاربة كافة، قبل أن تتحول إلى أيقونة شعبية تخطت الحواجز اللغوية ولاقت -على مر الأجيال- هوى واسعا حتى لدى الفئات غير الناطقة بالأمازيغية.
وإلى جانب هذه الملحمة العاطفية، حفرت أغان أخرى مكانتها العميقة في وجدان محبيه، وفي مقدمتها «يما يما» و«إمحسادن» و«عاوني» وغيرها كثير، لتشهد جميعها على نبوغ فني جمع بين شموخ الموروث ورهافة الحس الإنساني.
التزام مجتمعي في قلب الميدان
تجاوز حضور بوتمزوغت حدود الخشبة والاستوديو، ليترجم غيرته على تراثه عبر الانخراط المدني والنشاط الجمعوي الفاعل. وسخر طاقته لصيانة الإرث الثقافي ودعم المبادرات المحلية، منطلقا من قناعة راسخة بأن دور الفنان الحقيقي يرتبط ارتباطا وثيقا بقضايا مجتمعه ونبض بيئته.
وعكست سيرته هذا التناغم الحي بين العطاء الإبداعي والعمل الميداني؛ إذ اشتغل بدأب على إبراز الخصوصية الثقافية لمدينة الخميسات، وفتح المجال أمام الطاقات الصاعدة لتشرب أصول الأغنية الأمازيغية والاعتزاز بجذورها المتجذرة في التاريخ.
محنة المرض ورحلة العلاج الشاقة
اشتدت وطأة المعاناة الصحية على الفنان الراحل في مرحلته الأخيرة، عقب إصابته بسرطان الحلق وخضوعه لبروتوكول علاجي منهك. ولم تقتصر قسوة المحنة على آلام الجسد فحسب، بل رافقتها صعوبات جمة ارتبطت برحلات الاستشفاء والتنقل المستمر والشاق بين مدينتي الخميسات وسلا طلبا للعلاج.
وقاوم عازف الخميسات مرضه بشجاعة وصمت، متحملا قسوة الغياب القسري للصوت الذي أطرب به الآذان لسنوات طوال.
وبرحيله، يترك عمر بوتمزوغت إرثا رمزيا وفنيا سيبقى عصيا على النسيان، تصدح أوتاره في وجدان الذاكرة المغربية بروافدها الأمازيغية الأصيلة.
