في السيارات والمقاهي والمتاجر، وعلى منصات الاستماع ومواقع التواصل الاجتماعي، بدأت هذه الأعمال تجد طريقها إلى الجمهور، في مشهد موسيقي جديد تتراجع فيه المسافة بين الإنسان والآلة، وتطرح معه أسئلة كثيرة حول مستقبل الأغنية وحدود الإبداع وحقوق الفنان وقيمة العمل الموسيقي.
وبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير الصناعة وفتح آفاق جديدة أمام المبدعين، ينظر إليه آخرون باعتباره تحديا حقيقيا قد يعيد رسم خريطة المهن الموسيقية، خصوصا مع قدرته على محاكاة الأصوات وإنتاج الموسيقى بسرعة وكلفة أقل.
عبد السلام الخلوفي: الذكاء الاصطناعي لن ينهي الأغنية
وبخصوص هذا التحول، يؤكد الفنان والباحث في الموسيقي ومعد البرامج التلفزية، عبد السلام الخلوفي، أن الذكاء الاصطناعي لن ينهي الأغنية، لكنه سيغير بشكل عميق طريقة صناعتها وإنتاجها.
وأوضح الخلوفي في تصريح لـLe360 أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة قادرة على مساعدة الفنان والملحن وكاتب الكلمات والموزع في توليد الأفكار، واقتراح الألحان، وتجريب التوزيعات، ومعالجة الأصوات، فضلا عن اختصار الوقت والكلفة، وهو ما يمكن أن يفتح أمام الإبداع الموسيقي آفاقا جديدة وغير مسبوقة.

واستطرد مضيفا: «لكن علينا أن نميز بين صناعة أغنية وصناعة إبداع يعيش. فالآلة تستطيع أن تنتج كلمات ولحنا وصوتا مقنعا تقنيا، لكنها لا تملك تجربة الإنسان وذاكرته ومشاعره وقصته، وهي العناصر التي تمنح العمل الفني صدقه وهويته وقدرته على الوصول إلى وجدان الجمهور».
وشدد الخلوفي على أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في أن يتحول من أداة تساعد المبدع إلى بديل عنه، أو أن تستنسخ أصوات الفنانين وصورهم وتستغل أعمالهم دون موافقة أو حماية قانونية واضحة».
وزاد قائلا: «لذلك نحن أمام ضرورة مزدوجة: الاستفادة من قوة التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه حماية الإنسان الذي يمنح الفن معناه».
وفي تصوره لمستقبل الأغنية، يقول الخلوفي: «أتصور أن مستقبل الأغنية لن يكون صراعا بين الإنسان والآلة، وإنما شراكة بينهما؛ وستكون الأفضلية للفنان الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع خياله، لا للتخلي عنه».
مصطفى بوركون: التكنولوجيا يجب أن تساعد المبدع لا أن تحل محله
وفي خضم هذا النقاش المتصاعد حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الموسيقى، يرى الفنان الشعبي مصطفى بوركون أن هذه التكنولوجيا، رغم ما تتيحه من إمكانات جديدة، لا يمكن أن تعوض التجربة الإنسانية والإحساس الذي يمنح العمل الفني خصوصيته.
وقال بوركون، في تصريح لـLe360، إن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم أداة مؤثرة في عالم الموسيقى والغناء، فهو يفتح أمام المبدعين آفاقا جديدة للتجريب والتلحين والتوزيع وإنتاج الأصوات، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات حقيقية، خصوصا فيما يتعلق بخصوصية الفنان وحقوقه الفكرية وقيمة الإبداع الإنساني.

وأضاف الفنان الشعبي أن «مهما تطورت التكنولوجيا، فإن الإحساس والصدق والتجربة الإنسانية تبقى عناصر يصعب أن يعوضها الذكاء الاصطناعي».
وشدد بوركون على أن «الأمثل هو أن يكون الذكاء الاصطناعي وسيلة تساعد المبدع، لا بديلا عنه، حتى تظل الموسيقى تعبيرا عن روح الإنسان ومشاعره».
مصطفى برطون: الضرر الأكبر سيطال المبدعين
ولا تقتصر المخاوف التي يثيرها استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الموسيقي على طبيعة الإبداع وحدوده، بل تمتد أيضا إلى الإشكالات القانونية وحقوق الملكية الفكرية، في ظل غياب إطار قانوني واضح يواكب السرعة التي تتطور بها هذه التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، قال مصطفى برطون، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للموسيقيين، إنه لا يعتقد بوجود قانون قادر حاليا على التصدي لظاهرة السطو على الأعمال الموسيقية عن طريق الذكاء الاصطناعي.
وأوضح برطون: «لا أظن ولا أعتقد أن هناك قانونا قد يتصدى حاليا لظاهرة السطو على الأعمال الموسيقية عن طريق الذكاء الاصطناعي. فمنذ سنة 2016 تمت المصادقة على قانون الفنان، إلا أن المصادقة على بعض القوانين وتفعيل مقتضياتها يتم بشكل بطيء جدا، فما بالك بالمعركة مع الذكاء الاصطناعي».
وأضاف أن الوصول إلى حلول قانونية لهذه الإشكالات قد يحتاج إلى وقت طويل، قائلا: «ومن وجهة نظرنا، وفي حال دخلنا في هذه المعركة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فإن الوصول إلى حلول قانونية قد يستغرق وقتا طويلا، وهذا أمر لا يخدم المرحلة التي نعيشها حاليا».
ويرى الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للموسيقيين أن التأثير الأكبر لهذه التكنولوجيا قد يطال المبدعين في المقام الأول، موضحا: « وبالنسبة لنا، نحن الموسيقيين، ومن موقعنا كمهنيين وخبراء في المجال، فإن الضرر الأكبر للذكاء الاصطناعي سيطال، في الدرجة الأولى، المبدعين؛ أي المبدع الذي يعتمد على النصوص في كتابة الكلمات، أو المبدع الذي يشتغل على الألحان، أو الذي يتحمل مسؤولية التوزيع الموسيقي».
وأضاف: «هؤلاء المبدعون هم الذين سيواجهون، صراحة، مشاكل كبيرة جدا خلال المرحلة المقبلة، لأننا سنشهد ظهور فئة من الأشخاص الذين سيعتمدون بشكل واسع على الذكاء الاصطناعي، من خلال تقديم طلبات للمنصات لكي تقوم بكتابة الكلمات، وتلحينها، وتوزيعها، بل وإنجاز مختلف المراحل المرتبطة بإنتاج الأغنية».
وتابع أن هؤلاء سيكونون من بين أول الفئات التي ستجد نفسها أمام إشكالات مرتبطة بحقوق التأليف والملكية الفكرية.
وفي المقابل، اعتبر برطون أن تأثير الذكاء الاصطناعي على العازفين الموسيقيين المحترفين قد لا يكون بالدرجة نفسها، بالنظر إلى ارتباط عملهم بالأداء المباشر أمام الجمهور.
وقال في هذا الصدد: «أما بالنسبة للعازفين الموسيقيين، فأنا أتحدث هنا تحديدا عن الموسيقيين المحترفين، فلا أعتقد أن تأثير الذكاء الاصطناعي سيكون بنفس الدرجة، لأن عمل الموسيقي يرتبط بشكل مباشر بالجمهور وبالأداء الحي».
وأضاف: «فمادام الموسيقي يشتغل بشكل مباشر أمام الجمهور، سواء على خشبة المسرح أو خلال المهرجانات والحفلات، فمن الصعب، في اعتقادي، أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العازفين بشكل كامل. فالأداء المباشر يتطلب حضور الموسيقي والعازف بشكل فعلي».

وحذر برطون من إشكالات قانونية مستقبلية قد تواجه الأشخاص الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمال موسيقية، قائلا إن الكارثة الأكبر قد تظهر بالنسبة للأشخاص الذين سيبدؤون في استعمال أو استغلال الأعمال التي تم إنتاجها أو تسجيلها بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأنهم قد يجدون أنفسهم لاحقا أمام مطالبات بالحقوق والمستحقات من الجهات التي تعتبر نفسها صاحبة الحقوق المرتبطة بذلك المحتوى.
وأوضح أن الشخص الذي يقدم فكرة وينجزها عبر الذكاء الاصطناعي قد يواجه لاحقا إشكالا بشأن ملكية العمل، مضيفا: «فعندما يأتي شخص بفكرة معينة وينجزها عن طريق الذكاء الاصطناعي، فإنه قد يعتقد أن هذه الفكرة أصبحت ملكا له. لكن عندما يعود للمطالبة بحقوق التأليف الخاصة به، قد يجد نفسه أمام إشكال قانوني، لأن الجهة التي تولت إنتاج المحتوى بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تكون لديها نسخة أو تعتبر نفسها صاحبة حقوق مرتبطة بهذا العمل».
وختم برطون حديثه بالتأكيد على أن السؤال حول ملكية الأعمال المنتجة بالذكاء الاصطناعي سيشكل أحد أبرز التحديات خلال المرحلة المقبلة، قائلا: «وبالتالي، فإن المبدع الذي ساهم بالفكرة أو وجه عملية إنتاج العمل بواسطة الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه أمام سؤال أساسي: لمن تعود الحقوق القانونية لهذا الإبداع؟ هذه، في نظري، من أبرز الإشكالات التي ستظهر خلال هذه المرحلة الانتقالية، وهي إشكالات تحتاج إلى تدخل قانوني واضح يحدد المسؤوليات والحقوق».
في ظل هذه التحولات المتسارعة، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا جديدة أمام صناعة الموسيقى، من خلال تسهيل الإنتاج وابتكار أنماط موسيقية جديدة، لكنه في المقابل يثير مخاوف متزايدة لدى الفنانين بشأن حقوق الملكية الفكرية ومكانة الإبداع البشري في صناعة تتغير بوثيرة سريعة.
وبين حماس التكنولوجيا وقلق المبدعين، يبدو أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في إيجاد توازن يضمن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون تحويله إلى تهديد للإبداع.
