اللقاء الذي نظمه المركز الوطني للتوثيق التابع للمندوبية السامية للتخطيط، تجاوز حدود التظاهرات البروتوكولية، ليضع الأصبع على الجرح التقني؛ فالمعطى الخام بلا معالجة هو «مادة صماء». هكذا انطلق النقاش من قناعة مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ، بل يستند إلى رصيد معرفي متراكم.
وفي هذا الصدد، جزم أنس السماعيلي، مدير المركز الوطني للتوثيق، بأن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تسكن في الفراغ الفاصل بين المعلومة المجردة والمعرفة النافعة.
وأكد السماعيلي أن المركز يستثمر عقودا من «هندسة المعرفة» لضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى آلة لإنتاج التضليل، بل وسيلة لتعميق الحكامة العمومية.
هذا الطموح الوطني يحتاج، حسب محمد خليل، أستاذ من جامعة الحسن الثاني، إلى «حكامة صلبة» تتجاوز الانبهار بالتقنية نحو الاستثمار في الرأسمال البشري والبنيات التحتية التي تملك الدولة مفاتيحها، مؤكدا أن المغرب يمتلك كافة المقومات الموضوعية لريادة هذه الموجة.
ففي قراءة للمشهد الوطني، استعرض محمد خليل المقومات التي تملكها المملكة للانخراط في هذه الموجة التكنولوجية، مشددا على ضرورة بناء حكامة وطنية متكاملة وتوجيه الاستثمار نحو الرأسمال البشري والبنيات التحتية الرقمية السيادية لضمان استقلالية القرار التقني.
الاستباق والسيادة الرقمية
في عالم يتسم باللايقين، برز الذكاء الاصطناعي في نقاشات المركز كأداة «لصناعة المستقبل» وليس فقط رصده.
وبدا قيس الحمامي، مدير مركز الاستشراف والذكاء الاصطناعي بالإيسيسكو، حاسما حين اعتبر أن الاستشراف المسند بالذكاء الاصطناعي ينقل صانع القرار من خانة «رد الفعل» إلى خانة «الاستباق»، محذرا في الوقت ذاته من أن جودة القرار تظل رهينة بمتانة البيانات التي تغذي خوارزميات التوقع.
وقال الحمامي إن «الاستشراف المسند بالذكاء الاصطناعي يمكن صانع القرار من استباق التحولات بدل الاكتفاء بتدبير تبعاتها»، قبل أن يستطرد مضيفا أن « قوة أي أداة استشرافية تظل رهينة بمتانة بنيات المعطيات التي تتغذى عليها ».
وأكد مدير مركز الاستشراف والذكاء الاصطناعي بالإيسيسكو على أن « توظيف الذكاء الاصطناعي يمنح المؤسسات قدرة على استباق التحولات بدل الانشغال بتدبير تبعاتها، شريطة أن تتغذى هذه الأدوات على بنيات معطيات متينة ودقيقة ».
من جانبه، ركز كريم باينة، عميد المدرسة العليا للمعلوماتية والرقميات بجامعة الرباط الدولية، على البعد الأخلاقي، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة يتجاوز الجانب التقني ليكون التزاما قانونيا ومؤسساتيا يرافق دورة حياة النموذج الرقمي.
وفي سياق متصل، دعا وسيم قرقشو، مدير مختبر TICLab بالمدرسة العليا للمعلوماتية والرقميات بجامعة الرباط الدولية، إلى اعتماد نماذج محلية مقتصدة في الموارد والحوسبة، مؤكدا أن هذه النماذج توفر استقلالية وتحكما فعليا في المعطيات أكثر من الخيارات العملاقة المستوردة.
من النظرية إلى التطبيق الملموس
لم يغفل اللقاء الجانب الإجرائي، إذ لفت مراد المهجوبي، الرئيس المدير العام لشركة NEONOVIA، إلى أن نجاح أي استراتيجية يقاس بمدى تحولها إلى خدمات ملموسة يشعر بها المرتفق.
وهو ما عززه محسن لخديسي، الشريك المؤسس لـ AI Crafters، باستعراض حالات استعمال ذات أثر مباشر على السياسات العمومية، داعيا إلى منح الأولوية للمشاريع القابلة للتعميم والتي تقدم حلولا واضحة.
شراكات لتعزيز المسار الرقمي
لم ينته اللقاء عند عتبة التوصيات، بل ترجم فورا إلى تعاقدات مؤسساتية. حيث توجت الفعالية بخطوات عملية تمثلت في توقيع اتفاقيتي شراكة استراتيجيتين؛ الأولى مع المدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم (ENSIAS)، والثانية مع كلية الرقميات والهندسة معمارية بجامعة الرباط الدولية.
وتُشكّل هاتان الشراكتان محطة جديدة في المسار الذي يرسمه المركز الوطني للتوثيق، انسجاما مع رؤية المندوبية السامية للتخطيط، لجعل البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي رافعتين لتحديث الفعل العمومي وإنتاج معرفة ذات أثر في خدمة المواطن.
تأتي هذه التحركات لتؤكد طموح المركز الوطني للتوثيق، تماشيا مع رؤية المندوبية السامية للتخطيط، في جعل التحول الرقمي رافعة لتحديث الفعل العمومي وتقديم معرفة تخدم المواطن وتدعم مسار التنمية الوطنية.
