وحسب الكتاب فإنه من «الملاحظ لمجمل الدراسات التي اهتمت بسؤال الدلالة، سيجد أنها تركز على جانب من جوانب الموضوع، لدرجة أصبحنا ملزمين بالتعامل مع هذه الجوانب كتخصصات مستقلة بعضها عن بعض، على اعتبار أنها تقدم تصورات ومناهج متنوعة ومختلفة في دراستها لمسألة الدلالة، كما هو الحال مع الدلالة اللسانية أو الدلالة المنطقية، أو الدلالة المعرفية، وغيرها كثير».
من هنا تتجلى أهمية الدراسة التي يقدمها الباحث في مؤلفه «في كونها تسد الفجوة بين مختلف هذه التخصصات والتوجهات. من أجل ذلك، تم تناول سؤال الدلالة من زوايا نظر مختلفة ومتعددة؛ منطقية، لسانية، فلسفية، بلاغية، عصبية، بغرض بناء تصور متكامل ومنسجم للدلالة معتمدين في ذلك على المشروع الفكري للفيلسوف الأمريكي جورج ليكوف.
هكذا عمد «منذ بداية هذا المؤلف إلى سد الفجوة بين المنطق والنحو من خلال نقل مفهوم الصورة المنطقية من مستوى البنية النحوية-التركيبية إلى مستوى البنية المنطقية-الدلالية عبر توظيف آليات الفهم الضمني للخطاب الطبيعي، على اعتبار أن هذه الآليات تسمح لنا بالجمع بين القواعد النحوية والقواعد المنطقية للكشف عن الصور المنطقية لجمل اللغة الطبيعية«.
وبنفس الكيفية حاول في هذه الدراسة «ردم الهوة بين البلاغة والفلسفة من خلال نقل مفهوم الاستعارة من مجال اللغة والشعر إلى مجال العقل والتصور، عبر توظيف آليات الفهم الاستعاري للكشف عن المعاني والدلالات المتضمنة في تصوراتنا وتجاربنا، وهو ما لم يتحقق دون تشكيل تصور تجريبي تفاعلي يجمع بين الذاتي والموضوعي أو بين الخيالي والعقلي والواقعي.«
كما ساهمت هذه الدراسة في التقريب بين الفلسفة والعلوم المعرفية-العصبية، وذلك بنقل مفهوم المعرفة من مجال الفكر والواقع إلى مجال الجسد والدماغ، بواسطة الآليات التي يوفرها الفهم المتجسد، لكونها تسمح بردم الهوة بين العقل والجسدـ، أو بين المعرفي والميتا-معرفي قصد تحديد البنى الذهنية والعصبية للتصورات الدلالية. كل ما سبق ذكره، يفسر شيء واحد وهو أن آليات الفهم البشري مهمة جدا في بناء تصور منسجم ومتكامل للدلالة، سواء تعلق الأمر بلغتنا أو مفاهيمنا أو أفكارنا أو تجاربنا وأحكامنا.
