2- لفظة «النبي الأُمِّي» والدلالات القرآنية
إن خصائص القرآن عديدة قد بينها المفسرون لغة وأدباً ونحواً وبلاغةً وإعجازاً في مختلف المجالات، وهي خصائص تتعدد بتعدد وتنوع المطلعين وليست قابلة للحصر لأن بنائية القرآن مطلقة، ونحن هنا نأخذ فقط ببعض الخصائص التي تهمنا فيما يختص باستمرارية القرآن عبرالعصور وحفظه ومستقبليته.
فالقرآن يحمل في ذاته (وحياً كاملاً) يستجيب لما كان من ظرف تاريخي خاص بمرحلة (الأُمِيِّين)، ويستمر باتجاه المستقبل عبر مختلف العصور. فخصائص الوحي الكامل أنه علوم متعددة تحيط بأوضاع « الغيب والإنسان والطبيعة »، تُغَطِّي كافة مسائل الوجود الكوني وحركته وغايته. فالقرآن بتبسيط شديد هو الوعي المعادل موضوعياً للوجود الكوني وحركته.
فمن خصائص الاستمرارية في القرآن أنه:
- مَجيد لا يَبْلَى مع متغيرات الزمان والمكان:(بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) (البروج:30)
- كَريم بمعنى مُتَجَدّدِ العطاء:(إنه لقرآن كريم). (الواقعة:77)
- مَكْنون قابِل لأن يُتَكَشَّف من جديد:(في كتاب مكنون). (الواقعة:78)
فما يَتَكَشَّفُ من مَكْنونِ القرآن وفق استخدامات المناهج المعرفية الجديدة لا يأتي بالضرورة (متناقضاً) مع التفسيرات والاجتهادات التي بلورها السلف الصالح، وإنما هذا الذي يتكشف (كوجه آخر) لنفس المسائل والإشكاليات بوسائل معرفية مختلفة. هذه هي المرونة في كتاب قَدَّرَهُ الله لكل البشر والحضارات مخترقاً كافة المذاهب والمفاهيم، ودون أن يُقْصِرَهُ بالتضييق ليكون حِكراً على مفاهيم شمولية إجبارية كنوع الفلسفات الوضعية التي تُبَوْتِقُ الإنسان وتسره على نظرياتها.
وبما أن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتَمُ المُطْلَقُ الحاكِمُ، فالرجوع إليه لفهم الألفاظ الواردة فيه تُغني عن أي مَرْجِع آخر. ومن هذه الألفاظ أو الكلمات كلمة (الأمي) ومشتقاتها.
فقد وردت كلمة «الأمي» ومشتقاتها في القرآن الكريم 6 مرات (بصيغتي المفرد والجمع) في خمس سور مختلفة.
المواضع والآيات التي وردت فيها:
- سورة البقرة (الآية 77): ﴿ وَمِنْهُمُۥٓ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَ۬لْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّۖ وَإِنْ هُمُۥٓ إِلَّا يَظُنُّونَۖ... ﴾
- سورة آل عمران (الآية 20): ﴿ وَقُل لِّلذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالُامِّيِّۧنَ ءَآسْلَمْتُمْۖ... ﴾
- سورة آل عمران (الآية 74): ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِے اِ۬لُامِّيِّۧنَ سَبِيلٞ ﴾
- سورة الأعراف (الآية 157): ﴿اَ۬لذِينَ يَتَّبِعُونَ اَ۬لرَّسُولَ اَ۬لنَّبِےٓءَ اَ۬لُامِّيَّ اَ۬لذِے يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوباً عِندَهُمْ ...﴾
- سورة الأعراف (الآية 158): ﴿ فَـَٔامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اِ۬لنَّبِےٓءِ اِ۬لُامِّيِّ اِ۬لذِے يُومِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ ﴾
- سورة الجمعة (الآية 2): ﴿ هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ ...﴾
حينما نستعرض هذه الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة « الأمي والأميين »، يتضح لنا أنه ليس من بينها ما يشتم منه لأول وهلة أن المراد « بالأميين » الذين يجهلون القراءة والكتابة، سوى قوله تعالى: (وَمِنْهُمُۥٓ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَ۬لْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّۖ وَإِنْ هُمُۥٓ إِلَّا يَظُنُّونَۖ) من سورة البقرة، غير أن مثل هذا الفهم يُسْتَبْعَدُ حين ننظر إلى الآية في ضوء الآيات التي سبقتها وفي ضوء استعمال الكلمة في الآيات الأخرى. وقد ذهب إلى مثل هذا التفسير بعض علماء الاسلام أمثال قتادة وابن زيد. فقد روى عنهم الطبري في تفسيره: « ... من أن العرب أمة أمية، أي أنهم ليس لهم كتاب سماوي يقرؤونه ويدينون به ».
فالملاحظ في الخطاب القرآني أنه يتجه (للمقابلة) بين من سَبَقَ أن تَنَزَّلَ عليه الكتاب وهم (اليهود)، وبين الذين لم يتنزل عليهم كتاب وهم (الأميون) الذين هم العرب من أهل الجزيرة وأولهم قريش وغيرهم من الأمم، فيقول سبحانه: (فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلَ اَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلهِ وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِۦۖ وَقُل لِّلذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالُامِّيِّۧنَ ءَآسْلَمْتُمْۖ فَإِنَ اَسْلَمُواْ فَقَدِ اِ۪هْتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اَ۬لْبَلَٰغُۖ وَاللَّهُ بَصِيرُۢ بِالْعِبَادِۖ). (ال عمران:20).
وتعميقا لهذه الدلالة اللغوية المعرفية في لسان القرآن نجد أن الله سبحانه وتعالى من جهة أخرى يُطْلِقُ على الفئات الضَّالَّةِ من اليهود الذين يَكتُبون ويَقرؤون صفة « أُمِّيِّين » لِتَقْريرِ أنهم « لا يفهمون التوراة، ويُزَيِّفونَ معانيها ويَدُسّونَ عليها من كتاباتهم »: (وَمِنْهُمُۥٓ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَ۬لْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّۖ وَإِنْ هُمُۥٓ إِلَّا يَظُنُّونَۖ() فَوَيْلٞ لِّلذِينَ يَكْتُبُونَ اَ۬لْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اِ۬للَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِۦ ثَمَناٗ قَلِيلاٗۖ فَوَيْلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتَ اَيْدِيهِمْ وَوَيْلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَۖ).(البقرة77- 78)
فهؤلاء الأميون اليهود يَكْتُبون الكتاب بِأَيْديهِم: (فَوَيْلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتَ اَيْدِيهِمْ)، لكنه سبحانه يبين أميتهم بأنهم (لَا يَعْلَمُونَ اَ۬لْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّۖ وَإِنْ هُمُۥٓ إِلَّا يَظُنُّونَۖ). فصفة (الأمي) هنا تنطبق على من يَجْهَلُ كِتابَه، وَيَأْخُذُ بالظن والأماني، وليس (الأمي) من يجهل الكتابة.
ثم في سورة الجمعة يحدد الله سبحانه فئتين من « الأميين غير الكِتابِيِّين »:
- فئة تَنزَّلَ عليها القرآن واتبعت النبي الأمي (أولهم قريش والعرب في الجزيرة والعراق..).
- ثم فئة أخرى لم تلحق بالفئة الأولى بَعدُ ولكنها لاحِقَةَ بها (شعوب غير كِتابِية من آسيا).
ثم يُقابِلُ الله بين فِئَتَيْ الأُمِيِّين (غير الكِتابِيِّين) و(الكِتابِيِّين) اليهود الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها:
(يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِے اِ۬لَارْضِ اِ۬لْمَلِكِ اِ۬لْقُدُّوسِ اِ۬لْعَزِيزِ اِ۬لْحَكِيمِۖ () هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ () وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْۖ وَهُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ () ذَٰلِكَ فَضْلُ اُ۬للَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ() مَثَلُ اُ۬لذِينَ حُمِّلُواْ اُ۬لتَّوْر۪يٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ اِ۬لْحِم۪ارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراَۢۖ بِيسَ مَثَلُ اُ۬لْقَوْمِ اِ۬لذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ اِ۬للَّهِۖ وَاللَّهُ لَا يَهْدِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لظَّٰلِمِينَۖ () قُلْ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمْتُمُۥٓ أَنَّكُمُۥٓ أَوْلِيَآءُ لِلهِ مِن دُونِ اِ۬لنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ اُ۬لْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَۖ..) (الجمعة:1-6). (1)
فلفظة (الأمّي) القرآنية لا تعني عدم المعرفة بالقراءة والكتابة كما شاع في التراث التفسيري، بل تعني ووَِفقًا لسياقات الورود القرآنية « القوم الذين ليس لديهم كِتاب »، فهي لا تقابل (الكاتِبين) بل تقابل (الكِتابِيِّين)، وبهذا يكون «النَّبِيُّ الأُمِّي» ليس هو النبي الذي لا يعرف الكتابة بل هو النبي الذي بُعِث في الأمم الأُمِّيَّةِ.... (2)
فحين يُقال: (النبي الأمي) لا تعني غير (الكاتِب) ولكنها تعني غير (الكِتابي)، فينصرف فهم الناس بأننا نُثبت للرسول صلى الله عليه وسلم حالة كونه كاتباً وقارئاً للرسم، وهذا فهم خاطئ وقائم على خطإ مركب في شيوع اللسان العربي. فالنبي لا يقرأ الرسوم ولا يكتب، لأنه (أمي) بالمعنى الذي أورده القرآن: (وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذاٗ لَّارْتَابَ اَ۬لْمُبْطِلُونَۖ )(العنكبوت:48)
فالنبي غير (كاتِب) لأنه لا يَخُطُّ بيمينه وهذه مسألة قطعية واضحة، وهذا المعنى لا علاقة له بالأمية قطعاً وجزماً. وكذلك العرب أميون غير (كِتابِيِّين) أي لم يتداولون الإيمان بالكتب السماوية بينهم، ولكنهم يَكْتُبون ويَخُطون بأيمانهم.
كما أن اليهود يُمَيِّزون بين أنفسهم بأنهم أهل كتاب (التوراة) وبين سائر الشعوب الأمية الأخرى، فاسْتَعْلَوْا عليها واستباحوا أموالها: (وَمِنَ اَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنط۪ارٖ يُوَ۬دِّهِۦٓ إِلَيْكَۖ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِين۪ارٖ لَّا يُوَ۬دِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماٗۖ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِے اِ۬لُامِّيِّۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَي اَ۬للَّهِ اِ۬لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ).(ال عمران:74).
وقد أشكلت هذه المعاني على كثير من المفسرين وجنح الفكر السائد دينياً أو أدبياً إلى إطلاق صفة (أمي) على غير (الكاتِبِينَ)، فدرج الناس على تعريف (الكَتاتِيبَ القرآنية) حيث يتعلم الأطفال الخط بمدارس (محو الأمية). ومحو الأمية: تعني الإيمان بكتاب الله وتصديقه. فالأولى بنا أن نُعَرِّفَ هذه المدارس بأنها مدارس (تعليم الخط والكتابة) وليس (محو الأمية). يتبع.....
- جدلية الغيب والإنسان والطبيعة (العالمية الإسلامية الثانية)، أبو القاسم حاج حمد، بتصرف.
2 - منهجية القرآن المعرفية، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية، أبو القاسم حاج حمد، ص99.
