وتأتي قيمة معرض خليل النيماوي في كونه يحتفي بالبحر، إذ يعمل من خلال صوره الفوتوغرافية على استعادة بهاء فضاء البحر، لكن وفق آلية بصرية مغايرة تقوم على تقديم تصور أنطولوجي للبحر، ذلك أن هذا الأخير ليس كما اعتدنا على مشاهدته، لأن الصور تمتلك خصوصية فنية أصيلة تبرز الطريقة التي بها يتصور الفنان فضاء البحر ومعالمه.
وقد عمل الفنان في كل الصور على أنْ يجعل من البحر بمثابة الفضاء الآسر الذي منه تتبلور الأفكار والأحلام دون أن يغير موضوعه. في حين ارتأى الفنان ياسين العلوي الإدريسي أن يغوص في ذاكرة المدن من خلال تصوير يوميات الشارع ومحاولة تقريب المتلقي من عوالمه الفنية المذهلة التي يجعل فيها من الواقع أفقاً بصرياً مغايرا.
وإذا كان النيماوي يركز على مفهوم المنظور للبحر، فإن العلوي الإدريسي يجعل من الواقع أشبه بالمتاح الذي تصبح فيه الصورة وكأنها المدخل الحقيقي لاكتشاف حكايات المدينة وناسها وأفكارها. بيد أن أعمال النيماوي تختلف بشكل كلي من ناحية التصور الفكري الذي يحاول الفنان أن يبنيه ويؤسس عبره تصوره الفكري للبحر، لذلك يتوسل بعض التقنيات البصرية لإضفاء نوع من السحر الجمالي على صوره الفوتوغرافية التي وإن كانت تبدو أنها تنتمي إلى الواقع، فإنها في الحقيقة تظل مطبوعة بنوع الغموض الذي لا يفسره الفنان إلا برغبته الدفينة في تقديم رؤية مختلفة عن البحر.
إقرأ أيضا : ربورتاج: «طنجة صورة».. ميلاد مهرجان فني يسافر في تاريخ الفوتوغرافيا بالمغرب
إن المميز في هذه الأعمال أنها تعيد للفوتوغرافيا قيمتها وجمالها ودورها الآسر في القبض عن لحظات منسية من سيرة الواقع وذلك لأن الفوتوغرافيا لا تقوم بتخييل الواقع، بل ترتكز على بعد توثيقي تجهل الواقع حيا لا ينسى بالمقارنة مع السينما التي وإن كانت تعتمد على الجانب الوثائقي، فإنها تظل تنزع صوب التخييل. من ثم، تقدم هذه الأعمال نموذجا للفوتوغرافيا القريبة من الواقع المغربي وتحولاتها الفكرية والجمالية، طالما أنها تحتفي بالواقع وتعيد بلورته وفق آلية بصرية مغايرة.
