وشكلت هذه الندوة، التي نظمت بمناسبة الموافقة الملكية السامية على اعتماد التاسع من دجنبر يوما وطنيا للوساطة المرفقية، مناسبة للتفكير في التحولات التي تعرفها الوساطة المؤسساتية بالمغرب، في ظل تنامي أدوارها داخل منظومة الحكامة الإدارية وترسيخ ثقافة الحقوق والإنصاف.
ومن خلال هذا المؤلف، يقدم حسن طارق تصورا للوساطة باعتبارها ممارسة للإنصاف وآلية لتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق، انطلاقا من تجربة ميدانية ومؤسساتية تراكمت داخل مؤسسة الوسيط.
كما يستحضر الكتاب الانتقال التدريجي للمؤسسة من دور يركز على معالجة التظلمات الفردية إلى دور يتأسس على الحكامة المرفقية يساهم في إصلاح المنظومة الإدارية ذاتها، عبر تشخيص الاختلالات البنيوية واقتراح حلول وتوصيات إصلاحية تحد من تكرارها.
وبحسب المؤلف، يظهر هذا التحول تطورا في فلسفة الوساطة المؤسساتية، باعتبارها فاعلا في هندسة الحكامة الإدارية وأداة للمساهمة في تجويد السياسات العمومية وتحسين أداء المرافق العمومية، من خلال إصدار التوصيات، وتقديم المقترحات العملية، وتنبيه السلطات العمومية إلى الاختلالات التي تكشف عنها ملفات التظلمات.
وأبرز حسن طارق أن هذا العمل يمثل شكلا من أشكال التفكير في التدبير العمومي، وفي أهمية انفتاح المدبر العمومي على العلوم الاجتماعية والفلسفة السياسية والقانون، مضيفا «نحن أمام تحولات يومية تطال مفهوم الإدارة والمرفق، ومفهوم المواطنة المرفقية».
ويعكس الكتاب في مضمونه اعتماد المؤسسة مقاربة مرنة تقوم على البحث عن حلول عملية للنزاعات الإدارية، بهدف يحقق التوازن بين متطلبات الشرعية القانونية ومقتضيات العدالة والإنصاف، في أفق إدارة أكثر إنصاتا وفعالية وقربا من انتظارات المواطنين.
وبهذه المناسبة، قدم عدد من الأساتذة الجامعيين قراءات معمقة لمضامين الكتاب، تناولت أبعاده الفكرية والمؤسساتية، وكذا أبرز الإشكالات والأسئلة التي يطرحها في ما يتعلق بتحول الإدارة العمومية، وتطور وظائفها، وكذا طبيعة علاقتها بالمواطن في سياق التحولات الراهنة التي تعرفها منظومة التدبير العمومي.
وفي تصريح للصحافة، استعرض أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، أحمد مفيد، التاريخ العريق للوساطة في المغرب، مبرزا أنها شكلت، عبر مراحل متعددة، آلية راسخة لمعالجة التظلمات وتسوية النزاعات، حيث كان «ديوان المظالم» أحد أبرز تجلياتها قبل إحداث مؤسسة الوسيط.
وأوضح أن هذه الغاية التاريخية شكلت أساسا اعتمد عليه المشرع حين نص على دسترة مؤسسة الوسيط، استحضارا لهذا الامتداد التاريخي وتثمينا له، لافتا إلى أن الوساطة المؤسساتية تسعى إلى أن تكون آلية فعالة لتحقيق الإنصاف، بما يسهم في صون كرامة المواطنين وتعزيزها.
يشار إلى أن مؤسسة وسيط المملكة تشارك في الدورة الـ 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، تحت شعار «قراءات في الوساطة والإنصاف»، بباقة من الإصدارات التي توثق تجربة المؤسسة في مجال حماية الحقوق والوساطة المؤسساتية، بهدف تكريس دور الكتاب والمعرفة في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق.
