في مستشفى جامعة نيويورك لانغون للصحة، يشغل البروفيسور علال بوتجنكوت عددا من المسؤوليات الأكاديمية والبحثية، بروفيسور في طب الأعصاب وعلم الخلايا، ومدير بقسم طب الإدراك العصبي والمؤشرات الحيوية، وفي نفس الوقت مدير المؤشرات الحيوية بمركز أبحاث ألزهايمر، ومدير مختبر أمراض الدماغ واكتشاف الأدوية.
وراء هذه المواقع العلمية، قصة عالم مغربي جعل من المختبر فضاء لملاحقة الأسئلة التي ترسم ملامح طب الغد، وفي مقدمتها سؤال يفتح آفاقا واعدة: هل يمكن اكتشاف ألزهايمر قبل أن تظهر أعراضه؟
في هذا الحوار، نقترب أكثر من تجربة البروفيسور علال بوتجنكوت، ونستكشف معه التحولات التي تحملها أبحاث المؤشرات الحيوية في تشخيص مرض ألزهايمر؛ حيث قد تصبح قطرة دم أداة للكشف المبكر عن المرض، قبل ظهور أعراضه.

بداية، بروفيسور، هل يمكن أن تضعونا في صورة هذا الاكتشاف الذي توصلتم إليه رفقة البروفيسور توماس ويسنيفسكي؟
إن الاكتشاف الذي توصلنا إليه يعد مهما ومبهرا، ويمكن أن يحدث تغييرا كبيرا في مجال التشخيص المبكر لمرض ألزهايمر، كما قد يساهم في الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب، من خلال الكشف المبكر عن التغيرات المرتبطة بالمرض قبل أن تتطور الحالة إلى مراحل أكثر تقدما.
وما الذي يمكن أن يضيفه هذا الإنجاز إلى جهود تشخيص مرض ألزهايمر، خصوصا لتجاوز الصعوبات التي تواجه الطرق المعتمدة حاليا؟
جرت العادة أن يلجأ طبيب الأعصاب، عندما يأتي إليه مريض يشتكي من مشكلات في الذاكرة، إلى مجموعة من الفحوصات والأسئلة المعتمدة علميا، والتي تساعده على تقييم مستوى الذاكرة والقدرات الإدراكية لدى الشخص.
ومن بين الاختبارات المستخدمة في هذا المجال، هناك اختبارات علم النفس العصبي، ومن أبرزها اختبار الحالة العقلية المصغر (MMSE) واختبار مونتريال للتقييم المعرفي (MoCA).
من خلال هذه الاختبارات، يطرح طبيب الأعصاب مجموعة من الأسئلة على المريض، وانطلاقا من الإجابات والنتائج يمكنه تكوين فكرة أولية عن حالة الذاكرة والقدرات الإدراكية، فقد يلاحظ أن الذاكرة بدأت تتراجع بشكل بسيط، أو أن التراجع أصبح متوسطا، أو أن هناك تدهورا واضحا في الذاكرة.
وفي هذه الحالة، قد يلجأ الطبيب أيضا إلى أفراد عائلة المريض، ويطرح عليهم أسئلة تتعلق بسلوك المريض وذاكرته وقدراته، من أجل الحصول على صورة أكثر وضوحا عن حالته.
إضافة إلى ذلك، تجرى للمريض مجموعة من الفحوصات الطبية الروتينية، وفي بعض الحالات قد يلجأ الطبيب إلى التصوير « بالرنين المغناطيسي » (MRI) أو التصوير « المقطعي بالإصدار البوزيتروني » (PET Scan) .
ومن خلال فحص التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، يمكن للطبيب البحث عن العلامات المرتبطة بمرض ألزهايمر، ومن بينها بروتين (Tau) وبروتين (Amyloid beta) ، لكن المشكلة هي أن فحص « PET scan » مكلف جدا، كما أن إجراؤه يحتاج إلى إمكانات وتجهيزات غير متوفرة للجميع، ولذلك لا يستطيع كل المرضى الاستفادة منه بسهولة.
وفي بعض الحالات، قد يلجأ الطبيب المختص إلى أخذ عينة من السائل الدماغي الشوكي عن طريق « البزل القطني »، من أجل تحليل المؤشرات الحيوية المرتبطة بمرض ألزهايمر. ورغم أهمية هذه الطريقة طبيا، فإنها إجراؤها قد يكون سببا في إصابة المريض بإعاقة دائمة. ولذلك نبحث عن طرق أسهل وأكثر أمانا وأقل تكلفة.
ومن هنا جاءت أهمية هذه الإنجازات الجديدة التي تعتمد على تحليل الدم، لأن الهدف هو الوصول إلى وسيلة بسيطة تساعد على الكشف عن التغيرات المرتبطة بمرض ألزهايمر.

ما أبرز المؤشرات الحيوية التي يرصدها فحص في الدم؟
نعرف أن الدم يحتوي على مكونات كثيرة تدور في الدورة الدموية، وقد كنا نعثر على بعض البروتينات المرتبطة بألزهايمر في السابق في السائل الدماغي الشوكي، لكن أصبح بإمكاننا الآن الكشف عنها في الدم، وخصوصا في البلازما المستخلصة منه.
وبذلك يمكننا قياس كمية المؤشرات الحيوية المرتبطة بمرض ألزهايمر، ومن بينها بروتين تاو (Tau) وبروتين أميلويد بيتا (Amyloid beta).
ومن خلال هذه المؤشرات يمكننا ملاحظة كيفية تغير مستوياتها من شخص طبيعي إلى شخص بدأت لديه التغيرات المرتبطة بالمرض، ثم إلى شخص يعاني من المرض في مرحلة أكثر تقدما.
ونحن نعتمد في ذلك على وسائل تشخيصية وبروتوكولات متقدمة، باستخدام أجهزة شديدة الدقة تتمتع بكفاءة وموثوقية عاليتين، وهي أكثر حساسية بكثير من الأجهزة القديمة المستخدمة سابقا.

هل هناك مؤشرات حيوية أخرى يمكن أن تساعد في تشخيص مرض الزهايمر؟
إضافة إلى بروتينات ألزهايمر التي تحدثنا عنها، وهي بروتين (Tau) وبروتين (Amyloid beta)، هناك بروتين آخر يسمى البروتين الحمضي الليفي الدبقي (GFAP) وقد لاحظنا ذلك من خلال الدراسة التي أجريناها في إطار التحاليل السريرية على المرضى.
هذه ليست مجرد أبحاث مخبرية، وإنما تحاليل سريرية أجريت على مرضى، وقمنا بتقسيمهم إلى ثلاث مجموعات.
-المجموعة الأولى: تضم الأشخاص الطبيعيين الذين لا يعانون من أي مشكلة في الذاكرة.
-المجموعة الثانية: تضم الأشخاص الذين يشتكون من مشكلات في الذاكرة، ونصنفهم في مجموعة تسمى التدهور المعرفي الذاتي (Subjective Cognitive Decline).
-المجموعة الثالثة: تضم الأشخاص الذين أصبحت مشكلة الذاكرة لديهم واضحة، ومن بينهم الأشخاص المصنفون ضمن الضعف المعرفي الخفيف (MCI).
وقد لاحظنا من خلال دراسة المؤشرات الحيوية في الدم، ومن بينها بروتين البروتين الحمضي الليفي الدبقي (GFAP)، فوجدنا أن مستواه منخفض لدى الأشخاص الطبيعيين الذين لا يعانون من أي مشكلة في الذاكرة، ثم يرتفع لدى الأشخاص الذين بدأت لديهم التغيرات المرتبطة بالمرض، ويصبح مرتفعا بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين وصل المرض لديهم إلى مراحل أكثر تقدما.
إذن، يمكن أن يساعدنا GFAP في التمييز بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص الذين بدأت لديهم التغيرات المرتبطة بالمرض، كما يمكن أن يعطينا معلومات عن مرحلة المرض.
وهناك أيضا مؤشرات مرتبطة بالالتهاب، وقد توصلنا من خلال التحاليل التي أجريناها أن أحدها هو إنترلوكين-8 (IL-8)، وهو مؤشر يرتبط بالعمليات الالتهابية وله أدوار في البيئة العصبية.
وقد لاحظنا أن مستويات IL-8 تكون مرتفعة لدى الأشخاص الطبيعيين، ثم تنخفض لدى الأشخاص الذين بدأت لديهم التغيرات المرتبطة بالمرض، وتكون أكثر انخفاضا لدى الأشخاص الذين يعانون من الضعف المعرفي الخفيف.
ومن خلال هذه المؤشرات يمكننا التمييز بين الشخص الطبيعي والشخص الذي بدأت لديه التغيرات المرتبطة بألزهايمر، كما يمكن استعمالGFAP وIL-8 إلى جانب المؤشرات الأخرى من أجل تدقيق التقييم وتحديد حالة المريض بشكل أكثر دقة.
وهذا من الإنجازات المهمة جدا التي يمكن أن تدفعنا نحو الطب الدقيق، الذي ينبغي أن نعتمد عليه مستقبلا ليس في هذا المجال فقط، وإنما في مجالات طبية متعددة.
هل يمكن للتشخيص المبكر أن يحدث تحولا حقيقيا في طريقة التعامل مع مرض ألزهايمر وعلاجه؟
نعم، في السابق لم نكن نعرف دائما المرحلة التي وصل إليها المرض، ولم نكن نستطيع التمييز بدقة بين المرحلة المبكرة والمراحل الأكثر تقدما.
أما الآن، ومع ظهور المؤشرات الحيوية في الدم، فأصبح من الممكن المساعدة في تحديد المرض في مراحله المبكرة، وهو أمر مهم جدا في ظل ظهور علاجات حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لاستهداف المراحل المبكرة من المرض.
وبالتالي، يمكن تحديد الأشخاص الذين تثبت المؤشرات الحيوية لديهم وجود التغيرات المرتبطة بالمرض، ثم تقييم مدى ملاءمة العلاج لهم وفق حالتهم السريرية ووفق المعايير المعتمدة.
وهناك أيضا أدوية موجهة إلى مراحل معينة من المرض، وهو ما يجعل تحديد المرحلة أمرا بالغ الأهمية.
إذن، لأول مرة أصبح بإمكاننا الاقتراب من فكرة إعطاء العلاج في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، مع إمكانية متابعة المريض وتطور المرض والاستجابة للعلاج.
وبعد فترة من العلاج، يمكن إعادة الفحص ومراقبة المؤشرات الحيوية لمعرفة كيفية تغيرها، وهو ما قد يجعل عملية المتابعة أكثر سهولة ودقة، سواء في التشخيص أو العلاج.
ما أبرز التحديات التي لا تزال تواجه تعميم هذه الفحوصات، سواء على مستوى الدقة والموثوقية أو التكلفة أو توحيد المعايير وإمكانية إتاحتها لعدد كبير من المرضى؟
ما نحتاج إليه الآن هو الحصول على التراخيص والتصاريح اللازمة من الجهات المختصة، لأن هذه الاختبارات تحتاج إلى اعتماد رسمي قبل استخدامها على المرضى بشكل روتيني.
وقد تقدمنا بطلب للحصول على هذه الرخصة، حتى نتمكن من فحص عينات دم المرضى والحصول على نتائج التحاليل وفق الطرق المعتمدة.
أما بالنسبة إلى التكلفة، فمن المتوقع أن تكون تكلفة فحص الدم منخفضة مقارنة بفحوصات التصوير المتقدمة مثل PETscan ، كما أنه أكثر سهولة من الإجراءات التدخلية مثل تحليل السائل الدماغي الشوكي.
وبالنسبة إلى الدقة والموثوقية، فإن الأمر يدخل ضمن أحدث مستجدات الطب الدقيق، الذي يعتمد على المؤشرات الحيوية الموجودة في الدم للمساعدة في تحديد ما إذا كانت التغيرات المرضية المرتبطة بألزهايمر موجودة أم لا.
ومن خلال هذه المؤشرات يمكننا، في بعض الحالات، الكشف عن التغيرات المرتبطة بالمرض قبل ظهور الأعراض بسنوات، وهو ما يتيح فرصة للتدخل المبكر.
وهنا تكمن أهمية تحديد المراحل؛ فإذا تمكنا من التمييز بين المرحلة المبكرة والمراحل الأكثر تقدما، يمكننا مستقبلا تطوير علاجات أكثر ملاءمة لكل مرحلة، بحيث لا يقتصر الهدف على إبطاء تطور المرض، وإنما الوصول إلى علاجات أكثر فعالية تستهدف آليات المرض نفسها.

من موقعكم كباحث مغربي يعمل في واحد من أبرز مراكز البحث الطبي عالميا، كيف تتصورون مستقبل أبحاث ألزهايمر؟
نحن نشتغل ضمن ثلاث مجموعات بحثية داخل قسم طب الأعصاب. ويصنف قسم طب الأعصاب في جامعة نيويورك ضمن الأقسام الرائدة عالميا، وقد حصلنا على المرتبة الأولى في الولايات المتحدة لخمس سنوات متتالية، فيما يتعلق بتصنيف الخدمات الطبية المقدمة والأبحاث والإنجازات العلمية في هذا المجال.
وفيما يخص مستقبل أبحاث مرض ألزهايمر، فقد وصلنا، والحمد لله، إلى مراحل متقدمة في مجال التشخيص الدقيق والتشخيص المبكر، وكذلك في إمكانية إعطاء العلاج في الوقت المناسب.ولابد من الإشارة كذلك الى أن هناك مجموعات بحثية أخرى تعمل في المجال نفسه، ونأمل أن تتوصل هي أيضا الى نتائج مهمة، كل هذه الجهود تصب في اتجاه أن تؤدي إلى اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية هذه التقنيات مستقبلا في وقت قريب إن شاء الله، لانعرف بالضبط متى سيحدث ذلك، لكننا نتابع ما نقوم به من أبحاث، وما تقوم به المجموعات البحثية الأخرى، وما ستسفر عنه من نتائج.
في الختام، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الباحثين الشباب في المغرب، وإلى كل من يطمح إلى أن يكون جزءا من منظومة البحث العلمي العالمي؟
رسالتي إلى الباحثين الشباب في المغرب، وإلى كل من يطمح إلى أن يكون جزءا من المنظومة العلمية العالمية، هي أن الوصول إلى العلم والاكتشاف ليس أمرا مستحيلا.
ليس من الصعب على أي شخص أن يصبح عالما أو مكتشفا في مجال من المجالات، لكن الأمر يحتاج أولا إلى العزيمة، وثانيا إلى النية الحسنة والرغبة الصادقة في طلب العلم وخدمة الإنسان.
إذا كنت تربط بين العلم والمال، فأنت ستفشل، لأن العلم ليس هو المال. العالم هو الإنسان الذي يجتهد ويبتكر ويبحث ويصل إلى النتائج. لكن التعريف الحقيقي للعالم هو أنه خادم للبشرية.
فالعالم الذي يعمل من أجل اكتشاف حل لمرض ما وخدمة البشرية هو العالم الحقيقي.
والحمد لله، نحن نتشرف بأن نكون خداما لله سبحانه وتعالى وخادمين للبشرية التي خلقها الله.
هذا هو العالم الحقيقي: الإنسان المتواضع والبسيط الذي يمنحه الله شيئا من العلم، فيسخره من أجل النجاح، ومن أجل إيجاد حلول للأمراض المستعصية والخطيرة، مثل مرض ألزهايمر.
وهذا كله راجع إلى قدرة الله سبحانه وتعالى، وإلى رضا الوالدين ودعم الأسرة. ولا ينبغي أن ننسى دور الزوجة التي تكون إلى جانب زوجها من أجل إنجاح مسيرته.
وأنا شخصيا، بهذه المناسبة، أنوه بزوجتي الأستاذة حليمة بنيدر، التي تعمل إلى جانبي وتساعدني وتوفر لي الوقت اللازم، رغم غيابي عن البيت.
فأنا أقضي غالب أوقاتي داخل المستشفى الجامعي والمختبرات ومراكز الأبحاث، وهي دائما إلى جانبي من أجل المساعدة والدعم.
والشكر أيضا إلى ابنتي الوحيدة ياسمين بوتجنكوت، التي تشجعني دائما، وهي كذلك تعمل في المجال نفسه، لكن في تخصص مختلف.
وأقول لجميع الشباب: اجتهدوا، ولا تعتقدوا أن هناك شيئا مستحيلا، يجب أن يكون الطموح مبدأ أساسيا في حياة كل شاب.
لقد بدأنا من لا شيء ووصلنا إلى أشياء كثيرة، وهكذا يكون الشاب الذي يطمح ويسعى إلى الوصول، وبهذه المناسبة أود أن أشكر الدولة الأمريكية على العناية الكبيرة التي توليها للبحث العلمي وعلى المنح التي تقدمها لتمويل الأبحاث الطبية من أجل إيجاد حلول للأمراض المستعصية، وتحسين حياة المرضى والعمل على تطوير وإنتاج الأدوية اللازمة لعلاجهم.
