تسجيل 11 حالة مؤكدة ووفاة واحدة بالدفتيريا.. كيف يطوق المغرب مخاطر انتشار الوباء؟

الدفتيريا

في 08/10/2026 على الساعة 12:20

أعلنت مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض تسجيل 11 حالة مؤكدة بمرض الدفتيريا في المغرب، من بينها حالة وفاة واحدة، مسجلة عودة هذا الداء بعد غياب تام داخل التراب الوطني منذ عام 1992.

وكشفت فتيحة سميحرو، المسؤولة بالمديرية التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، خلال ندوة تفاعلية نظمت أمس الأربعاء 7 أكتوبر، عن تفاصيل المخطط الوطني للمراقبة والتصدي، مبرزة دواعي هذا الاستنفار الصحي في مواجهة تعفن بكتيري حاد وشديد العدوى.

وأوضحت سميحرو أن معدل التوالد الأساسي للمرض «R0» يتراوح بين 6 و7 حالات لكل مصاب، حيث ترجع الإصابة أساسا إلى بكتيريا «الوتدية الخناقية» وسلالات وتدية أخرى، في حين تتراوح نسبة الإماتة بين 5 و10 في المائة، ما يضع الدفتيريا ضمن لائحة الأمراض الخاضعة للتصريح الإجباري والمشمولة بالتلقيح.

وبالرغم من نجاح التلقيح في لجم انتشار الداء طوال عقود، سجلت المسؤولة الصحية تنامي البؤر الوبائية مؤخرا كنتيجة مرجحة لـ«التردد في أخذ اللقاحات»، بالتوازي مع رصد إصابات مماثلة في الجوار الإقليمي بكل من موريتانيا والسنغال ومالي.

وشهد المغرب منذ مطلع سنة 2026 محطات وبائية متتالية استهلت برصد بؤرتين؛ ضمت الأولى ثلاث حالات مؤكدة توفيت إحداها، فيما انحصرت الثانية في إصابة وحيدة انتهت بالوفاة كذلك.

وأعقب ذلك تسجيل حالتين متفرقتين إحداهما وافدة، قبل أن تندلع «الموجة الحالية» منذ أسابيع قليلة محصية 11 إصابة مؤكدة وحالة وفاة واحدة حتى يوم أمس، في حين أتاح دليل المساطر المعتمد إثر إنذار شهر فبراير الماضي توحيد مساطر اليقظة والتدخل السريع.

وترتكز منظومة الرصد في هذه المرحلة على ستة أهداف استراتيجية، تستهدف الكشف المبكر عن الحالات المشتبه فيها وتأكيدها مخبريا على وجه السرعة، فضلا عن توثيق إفراز السموم وقياس مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.

وتسعى الخطة كذلك إلى تحديد مسارات العدوى والمناطق والفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب تتبع المنحنى الوبائي وتقييم فاعلية التدابير الوقائية المطبقة على أرض الواقع.

ويحدد الدليل الحالة المشتبه فيها بكل إصابة في المسالك التنفسية العلوية، مثل التهاب البلعوم أو الأنف أو الحنجرة، متى ترافقت مع غشاء كاذب ملتصق يتمثل في إفراز رمادي سميك يعسر نزعه، أو ظهور تعفن أنفي حلقي مقترن بتدهور لافت في الحالة العامة وظهور بوادر مضاعفات.

وتصنف الحالة محتملة عند ارتباطها الوبائي بحالة مؤكدة، أو حين تظهر الفحوصات المباشرة وجود عصيات موجبة الغرام، بينما تقتصر صفة التأكيد على التشخيص المخبري عبر تقنية «PCR» أو الزراعة الجرثومية، مع حصر الوفيات المسجلة في الحالات المؤكدة الناتجة مباشرة عن مضاعفات المرض.

ويلزم البروتوكول المعتمد الطبيب المعالج بعزل أي حالة مشتبه فيها وإلزامها بارتداء كمامة جراحية دون إثارة الفزع، مع إشعار وحدات اليقظة الإقليمية على الفور.

وتتولى فرق التدخل السريع المحلية التحقق من الإصابة لتفادي البلاغات غير الدقيقة التي قد ترهق المنظومة الصحية خلال فصل الشتاء، ثم ترسل المعطيات إلى المصلحة الوطنية للرصد الوبائي لمنح المريض رمزا تتبعيا يرافقه طوال مسار الرعاية.

ويفرض الوضع الوبائي الراهن الاستشفاء الإلزامي لكل حالة مشتبه فيها ومصادق عليها، عبر عزل المريض وأخذ العينات وتوجيهها بتنسيق مركزي نحو المختبر، بموازاة فتح تحقيق ميداني حول محيط المصاب.

وينطلق التكفل الطبي قبل ظهور النتائج النهائية؛ إذ يحيط المختبر الفرق الإقليمية والجهوية علما بالمؤشرات الأولية لاستباق التدخل، قبل تجميع المعطيات في منصة رقمية وطنية توجه قرارات السلطات وترصد الفئات الهشة.

مسارات تدبير المخالطين وقطع سلاسل العدوى

وقدم معاد المرابط، منسق المركز الوطني لعمليات طوارئ الصحة العامة بمديرية الأوبئة، التدابير الموجهة للمخالطين بوصفها ركنا محوريا لتطويق الرقعة الوبائية في هذه المرحلة.

وانطلق المرابط من تفكيك السلسلة الوبائية بحلقاتها الثلاث: المستودع والعامل الممرض، وطرق الانتقال، والمضيف المستقبل؛ موضحا أن التكفل بالمصابين يستهدف الحلقة الأولى، بينما يقطع تدبير المخالطين مسار الحلقة الثالثة.

ويشمل توصيف المخالط كل شخص تعرض لاحتكاك وثيق بمريض طوال فترة نقل العدوى، بعيدا عن الحسابات النظرية للمسافة والزمن التي وصفها المرابط بغير العملية في الميدان.

وتتسع هذه الدائرة لتشمل أفراد الأسرة وزملاء العمل ومقاعد الدراسة، إضافة إلى الزوار والمسافرين المرافقين، والكوادر الطبية التي قدمت علاجات دون التقيد الصارم بقواعد الوقاية ومكافحة العدوى.

وتنطلق مرحلة نقل العدوى مع ظهور الأعراض وقد تسبقها بقليل، وتستمر بين أسبوعين وستة أسابيع عند غياب العلاج، في حين تنحدر خطورة النقل إلى مستويات شبه منعدمة بعد 48 ساعة من تعاطي مضاد حيوي فعال وفق منظمة الصحة العالمية، في مقابل أربعة أيام حسب المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، مع إمكانية نشر العدوى عبر حاملين للمرض لا تظهر عليهم أعراض.

سلالة تنفسية وثلاثة مستويات لتقييم المخاطر

وأكد منسق مركز طوارئ الصحة العامة أن انتقال المرض دون أعراض ينحصر غالبا في مناطق التوطن الوبائي المرتفع، وهو معطى لا ينطبق على المغرب، مشيرا إلى أن «الشكل التنفسي هو السائد حاليا في المملكة».

ويخضع المخالط لفرز أولي للتأكد من سلامته، إذ يتحول فورا إلى حالة مشتبه فيها عند بروز أي عارض مرضي، ليجري توزيع البقية على ثلاثة مستويات من الخطورة.

ويتطابق الخطر المرتفع مع التعرض المباشر للإفرازات التنفسية أو الوجود وجها لوجه لفترة طويلة، ويشمل المهنيين الصحيين المفتقرين للحماية التامة بصرف النظر عن وضعهم التلقيحي.

أما الخطر المتوسط فيغطي التقارب الجسدي دون ملامسة الإفرازات، كما هو الشأن داخل الفصول الدراسية أو المكاتب المشتركة، فضلا عن الكوادر المحمية المعرضة لمخالطة متكررة، بينما يقتصر الخطر المنخفض على اللقاءات العابرة والوجيزة كالمصادفة في ممر أو التواجد داخل المبنى ذاته.

وتتوزع التدخلات حول المخالطين عبر أربعة تدابير رئيسية؛ تشمل الوقاية الكيميائية لإحباط أي استيطان بكتيري، والتلقيح لتعزيز المناعة ضد السموم، والمراقبة الصحية للكشف المبكر، فضلا عن إجراءات العزل والحد من التنقل لتطويق فترة الحضانة.

ويطبق العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية تلقائيا على أصحاب الخطر المرتفع، بينما يخضع لتقدير الحالة في الخطر المتوسط، ويستثنى منه أصحاب الخطر المنخفض تفاديا لاستهلاك مفرط للمضادات الحيوية، خاصة أن اختبارات مقاومة الأدوية أظهرت مناعة السلالة الحالية تجاه «الأمبيسيلين» و«البنسلين جي».

وتوصي السلطات بتلقيح سائر المخالطين بمن فيهم أصحاب الخطر المنخفض وفق الجدول الجاري به العمل، بالتزامن مع عزل المخالطين ذوي الخطورة العالية حتى انقضاء أقصى مدة للحضانة، مع إمكانية «المضي نحو قيود أوسع لمحاصرة البؤر الحالية» بحسب إفادة المرابط.

وتسير الخطة بنسق تصاعدي؛ إذ تبدأ بمعالجة شاملة ودقيقة للحالات المعزولة والبؤر المحدودة، لتنتقل إلى ترتيب الأولويات في البؤر الواسعة، وصولا إلى تحويل الساكنة برمتها إلى مخالطين والانتقال إلى «استجابة جماعية شاملة» حال حدوث تفش مجتمعي واسع.

الاستجابة اللقاحية.. جدول الجرعات وتحديد الفئات

واستعرض محمد بنعزوز، المتخصص في الصحة العامة والمسؤول عن البرنامج الوطني للتمنيع ورئيس مصلحة حماية صحة الطفل بالوزارة، محاور التدخل اللقاحي المرتكز على المخالطين عبر ثلاثة أصناف من اللقاحات الوطنية.

وتضم هذه المنظومة اللقاح الخماسي الواقي من الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي والتهاب الكبد الفيروسي «ب» والمستدمية النزلية، واللقاح الثلاثي «DTC»، إلى جانب اللقاح الثنائي «Td» المضاد للكزاز والدفتيريا.

وتستند الخطة إلى ثلاث قواعد إجرائية؛ أولاها خفض عتبة الحماية للجرعة الواحدة من 10 سنوات إلى 5 سنوات في السياق الوبائي، وثانيتها الحفاظ على استمرارية المسار التلقيحي دون إلغاء الجرعات السابقة السليمة، وثالثتها اعتماد دلائل البرنامج الوطني للتمنيع للحكم على استكمال التلقيح.

ويفصل البروتوكول ثلاث مسارات؛ أولها يخص غير الملقحين أو مجهولي الوضع التلقيحي عبر حقنهم بجرعة فورية ثم استكمال الجدول لاحقا، باستعمال اللقاح الثلاثي أو الخماسي أو السداسي لمن هم دون السابعة، ولقاح «Td» لمن تجاوزها وللبالغين، مع تحديد فاصل شهر للجرعة الثانية وستة أشهر للجرعة الثالثة.

ويهم المسار الثاني أصحاب التمنيع الأولي الناقص بأقل من ثلاث جرعات، إذ يحقنون بجرعة أولى فورية عند أول اتصال طبي قبل استكمال المسار، مع قصر استخدام «Td» على الفئات البالغة سبع سنوات فما فوق، وبرمجة الجرعة الثالثة بعد ستة أشهر على الأقل من الثانية.

أما المسار الثالث فيتعلق بمن استكملوا تلقيحهم الأولي؛ حيث يحصل الأطفال دون السابعة على جرعة ثلاثية فورية إذا تجاوز تاريخ آخر جرعة خمس سنوات، ويتلقى من بلغ السابعة فما فوق جرعة من «Td»، في حين يصنف الشخص في عداد المحميين بالكامل لمن تلقوا آخر جرعة قبل أقل من خمس سنوات، مع إلزامية استدراك جرعة التذكير للأطفال بين 18 شهرا و5 سنوات.

واختتم بنعزوز عرضه بالتنبيه إلى ثلاثة أخطاء ينبغي تفاديها أثناء الاستدراك اللقاحي، مؤكدا أن تأخر المواعيد لا يبطل الجرعات السابقة، وداعيا إلى ملاءمة نوع اللقاح مع سن المستفيد وعدم التغاضي عن جرعات التذكير أثناء الحملات.

وشدد المسؤول ذاته على لزوم احترام الممارسات التطعيمية الفضلى، بدءا من الإعداد المسبق وجودة الحقن ومراقبة سلسلة التبريد، وصولا إلى التخلص الآمن من النفايات الطبية وتتبع الآثار الجانبية.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 08/10/2026 على الساعة 12:20