وأوردت يومية « الأحداث المغربية » في عددها ليوم الخميس 30 أبريل 2026، أن هذا ليس الرقم المخيف الوحيد، ففي الوقت الذي يعلن فيه وزير التجهيز والماء أمام البرلمان أن سدود المملكة بلغت 75 في المائة من طاقتها في أبريل 2026، كانت لا تزال تعالج آثار فيضانات هائلة أجلت 188 ألف شخص وأتلفت 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، وكلاهما الجفاف والفيضان، وجهان لأزمة مناخية واحدة تتسارع وتيرتها.
وأضافت الجريدة أن الحكومة تستثمر 143 مليار درهم في مشاريع الماء، وتبني سدا كل بضعة أشهر وتشغل محطات تحلية على طول ساحليها وتحول المياه بين أحواض تفصل بينها مئات الكيلومترات، وفي الآن ذاته، تلجأ إلى شاحنات صهريجية لإيصال الماء إلى قرى لا يزال سكانها ينتظرون أن تصل إليهم ثمار هذه المشاريع العملاقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن 3 أرقام تعيد رسم المشهد بكامل تناقضاته، واردات مائية انكمشت من 22 إلى 14 مليار متر مكعب سنويا في أقل من 5 عقود، وطاقة تحلية تصاعدت من الصفر إلى 410 ملايين متر مكعب وتتجه نحو 1.7 مليار بحلول 2030، وخسائر فيضانية تكلف خزينة الدولة مليارات في كل موسم أمطار غزير، بين هذه الأرقام الثلاثة تتشكل معالم مرحلة انتقالية بالغة الدقة، تعيد فيها البلاد تعريف علاقتها بالثروة المائية من أساسها لا خيارا بل اضطرارا.
وذكرت الصحيفة أن هذه أبرز خلاصات عرض قدمه وزير التجهيز والماء، نزار بركة، في جلسة استثنائية عقدتها لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، أول أمس الثلاثاء 28 أبريل 2026، حيث وقف المسؤول الحكومي ليقدم عرضا ينبه إلى هشاشة منظومة تدبير المياه وإلى تحديات كبرى، وذلك من خلال جرد شامل لأحد أخطر الملفات التي تواجهها المملكة في القرن الحادي والعشرين.
المعطيات التي تضمنها عرض الوزير، كشفت عن مشهد مزدوج الطابع، إذ تتعايش بشائر التعافي المائي مع مخاوف هيكلية عميقة تفرضها التغيرات المناخية على دولة تقف على حافة الإجهاد المائي.
ويطرح هذا العرض الوزاري جملة من الرهانات، التي تتخطى حدود الأرقام، وتتمثل أبرزها في رهان التمويل، الكلفة الإجمالية المحينة للبرنامج الوطني للتزويد بالماء 2027-2020 بلغت 143 مليار درهم، وهو رقم يستدعى تعبئة مالية متواصلة في ظل ضغوط ميزانياتية متعددة.
وتساءلت اليومية حول مدى قدرة التنسيق بين الفاعلين المتعددين، وزارات التجهيز والماء والفلاحة والداخلية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب على تجاوز التباين في الأولويات.
وتكشف الأرقام عن تفاوت واضح بين الأحواض، يقول المصدر، مضيفا :« ففيما تتجاوز نسبة الملء 92 في المائة في أحواض اللوكوس وسبو وأبي رقراق، لا تتخطى 39 في المائة في حوض درعة واد نون، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول توزيع الموارد والاستثمارات.
وفي رهان المواطن القروي، يورد المصدر، إذ رغم تزويد أزيد من 13 مليون نسمة من الساكنة القروية بالماء الصالح للشرب، لا يزال اللجوء إلى الشاحنات الصهريجية حلا لا مناص منه في مناطق عديدة، وقد رصدت الوزارة 2.4 مليار درهم لهذا الغرض بين 2020 و2026.
وقدم عرض الوزير بركة صورة مزدوجة للواقع المائي المغربي، دولة طورت إطارا استراتيجيا متقدما، وضخت استثمارات ضخمة، وأنجزت مشاريع بنيوية لافتة في وقت قياسي، لكنها تواجه في الوقت عينه منظومة مائية هشة في سياق مناخي لا يرحم.
وأبرز ما أورده بركة، خلال عرضه، هو أن التعافي المسجل اليوم في منسوب السدود وإن كان يحمل بعض الطمأنينة والراحة، لكنه مرهون بتساقطات استثنائية قد لا تتكرر قريبا، والمشاريع المبرمجة طموحة، لكن قسطا وافرا منها لا يزال في طور الدراسة والإعداد، والأهم أن التحديات الحقيقية كترشيد الاستهلاك الفلاحي الذي يستنزف الجزء الأكبر من المياه المائية، وحماية الفرشات المائية من الاستنزاف، وإرساء ثقافة المواطنة المائية، لا تحلها السدود ولا محطات التحلية وحدها، بل تستدعي تحولا في نمط العلاقة بين المجتمع والموارد المائية، وهو التحول الأبطأ دائما في مسارات الإصلاح.
