بوعلام صنصال: العودة إلى باريس.. من مملكة البناة إلى تيه الإمبراطوريات

بوعلام صنصال

في 06/11/2026 على الساعة 17:13

مقال رأيمنذ وطأت قدماي أرض المغرب، في الدار البيضاء يوم 28 أكتوبر 2026، حتى موعد عودتي إلى باريس في هذا اليوم السادس من نونبر، مرورا بالرباط العاصمة المصقولة بعناية فائقة، وفاس العريقة، وصولا إلى الداخلة المتجددة في أقصى الجنوب المغربي حيث تلتقي الرمال بأمواج الأطلسي في مواجهة القارة الأمريكية، عاينت بلدا شامخا ينبض بالحياة والثقة، ويخط تاريخه بمداد العزيمة وسواعد أبنائه.

I. رسالة إلى أصدقائي المغاربة: السيادة من رحم البناء والجسارة

مرت اثنتا عشرة سنة كاملة، وربما أكثر، دون أن أزور المغرب، موطن القلب وسكن الذاكرة. كان النظام الجزائري، الغارق في أحقاده وأوهامه وغطرسته، يمنعنا حتى من مجرد الاقتراب منه. كم افتقدت هذا الوطن. غير أنني اليوم لم أعد جزائريا، والسيد تبون الذي زج بي في السجون وحاصرني وحرمني من جنسيتي وطردني من البلاد لمجرد جهري بمغربية الصحراء وسيادة الرباط الثابتة على ترابها، لم يعد قادرا على مصادرة حريتي؛ فصرت كالهواء طليقا أمضي حيث شئت.

وهكذا تجسدت الفكرة واقعا في طرفة عين، وحللت ضيفا على المغرب، هذا البلد الذي أحمله في وجداني تقديرا ومحبة وإيمانا صادقا بمساره. قضيت قرابة اثني عشر يوما غمرتني بمشاعر بالغة العمق، ولا يسعني هنا إلا التوجه بخالص الامتنان إلى أسرة موقع Le360 التي رتبت هذا اللقاء، وعلى رأسها رئيس مجلس الإدارة الدكتور عزيز داكي، وصديقي الدكتور كريم سراج.

منذ وصولي إلى الدار البيضاء في 28 أكتوبر 2026 وحتى عودتي إلى باريس هذا اليوم 6 نونبر، متنقلا بين بهجة العاصمة الرباط وروح فاس التاريخية وإشراقة الداخلة في الصحراء المغربية حيث يعانق المحيط سحر الامتداد نحو أمريكا، شهدت وطنا واقفا على أرض صلبة ومفعما بالطمأنينة، يصوغ قدره بإرادة مستقلة ورؤية يقودها عاهل البلاد الملك محمد السادس، الذي يحظى بمحبة شعبه والتفافه. لقد استوعب المغرب جيدا أن القوة في هذا العصر المتسارع لا تستورد، ولا تشترى بالأموال، ولا تدعى بالشعارات الرنانة، بل تبنى محليا باستثمار الطاقات الذاتية لضمان البقاء في مسار عولمة لا ترحم. تشع أرجاء هذه التجربة بالذكاء وحسن التدبير وعزة النفس دون استعلاء، وهي سمة الكبار دوما. فكم من دولة في هذا العالم تضاهي هذا النجاح؟

أي رحلة ملهمة هذه التي عشتها؛ إذ التقيت نخبة الأطر والكوادر الشابة التي تقود ثورة التحديث في البلاد. وقفت على تجربة القطب المالي للدار البيضاء «CFC»، ذلك الصرح الذي لم يتوقف عند بناء أبراج زجاجية، بل نسج شبكة مالية حيوية تصل رؤوس الأموال الأوروبية بشرايين الاقتصاد الإفريقي.

وعاينت أيضا ورش الميناء الأطلسي الضخم بالداخلة، الذي سيفتح للأعمال الإفريقية بوابة مباشرة على التجارة الدولية انطلاقا من 2028. يبرهن هذا المنجز أن التخطيط الاستراتيجي الصبور والعمل الهادئ يفرضان نفسيهما دوما على الواقع.

وتكرس هذا الانطباع خلال زيارتي لجامعة محمد الخامس بالرباط والجامعة الأورومتوسطية بفاس؛ حيث تتحول قاعات البحث إلى مصانع لإنتاج الابتكار والقيادات المؤهلة لقيادة هذا الإقلاع المغربي نحو مصاف القوى الصاعدة.

«في هذا العالم الجديد، الذي يبنى بسرعة الحواسيب، القوة لا تستورد ولا تشترى ولا تكتسب بالأهازيج، بل تصنع محليا بالسواعد الذاتية وبالنهل من العبقرية الوطنية لعدم الذوبان كشبح في عولمة مفروضة»

—  بوعلام صنصال

لا يملك المغرب براميل نفط ليمارس بها التبجح وإعطاء الدروس للآخرين، بل يراهن على كفاءاته البشرية وتعدد لغاتها ومعارفها، وهذا هو الفارق الجوهري. واختار المغرب إدارة واقعه المعقد عبر تكريس سيادته الميدانية على ترابه، وتطوير اقتصاده، وقيادة ديبلوماسية قائمة على الشرعية وفنون التوازن، بعيدا عن المراهقات الكلامية للأنظمة التي تقتات على الصراعات العقيمة.

إن القيمة الحقيقية للأوطان تقاس بجهد شعوبها وقدرتها على رسم المستقبل، لا بما تجود به الصدف الجيولوجية من ريع باطن الأرض. كان الفيلسوف جيل دولوز يقول: «لا توجد جسور، بل توجد قفزة حاسمة»، وتلك بالضبط قصة المغرب وإرادته التي تستحق جائزة نوبل للسلام.

لقد آن الأوان لكي تمنح هذه الجائزة للشعوب ككل، وليس فقط للمسؤولين والمنظمات، لأن الشعب المغربي دافع عن الاستقرار وصنع انتصاره عبر التنمية والسلم؛ ومن هنا أوجه ندائي إلى لجنة نوبل لمنح هذه الجائزة للمملكة المغربية.

II. رسالة إلى مواطني الفرنسيين: انكسار العملاق وتراجعه

أعود إلى باريس هذا اليوم 6 نونبر، وأجد نفسي أمام مشهد مغاير وصادم. يدمي القلب حقا أن أرى أمة كبرى مثل فرنسا، التي صنعت ربيع التنوير والوعي الكوني، تتخبط اليوم في أزمة مركبة تكاد تشبه غرق سفينة «تيتانيك».

فرنسا الأنوار والعقل والفكر الفسيح تاهت عن بوصلتها الأصلية. لم تعد قادرة على فهم تحولات العالم، وصارت تكتفي بتلقي الضربات والتخفي خلف مسالك ملتوية للهروب من استحقاقات المرحلة. سقط الخطاب العام في قبضة أصوات ديماغوجية تدفع نحو التراجع والارتباك الإيديولوجي والتنابز العقيم.

وحين تفوض دولة عريقة عقلها للمغامرين ومبادئها للمزايدات الانتخابية، ينفرط عقد قوتها وتتحول إلى كيان هين متصدع. فهل بمقدور فرنسا أن تستعيد زمام المبادرة؟ يبدو الأمر مستبعدا في ظل انسداد الأفق وعجزها عن التخلص من ترسبات أخطائها وتهاونها الطويل.

III. رسالة إلى أصدقائي الجزائريين: سجن الوهم وهوس الاستعراض

إلى الأصدقاء الجزائريين، أتوجه بكلام صريح ومباشر. إن التحالف البيروقراطي العسكري الذي صادر إرادة الشعب قاد الجزائر إلى طريق مسدود. ولكي يديم هذا النظام سلطته واستنزافه للبلاد، دأب على اختلاق روايات بالية عن عدو خارجي يتربص بالحدود، وخونة في الداخل يضرمون النيران في الغابات ويدسون السم في الآبار. وليست هذه الفزاعات سوى واجهة لحجب المعاناة المعيشية عن الجزائريين، واحتكار المداخيل البترولية لصالح قيادات الجيش التي تدعي وراثة جيش التحرير الوطني، بينما التاريخ يشهد أن قادتها أقاموا في المغرب مستظلين بأشجاره، بعيدا عن لهيب الثورة الحقيقية.

إن التحريض المستمر ضد المغرب، والذي يبلغ حدود التلويح بالحرب عبر تكديس الترسانات وشراء الأسلحة، لا غاية منه سوى بث الرعب في نفوس الشعب الجزائري وإشغاله بالخوف لضمان تطويعه. يغرقون الناس ليل نهار بخطابات سيادية جوفاء ومناورات عسكرية مصورة تستعرض قوة وهمية، متوهمين إمكانية إلحاق الأذى بالرباط بقرارات متسرعة. بيد أن أحرار الجزائر يعلمون جيدا أن السيادة الحقيقية تنبع من الكرامة، وحرية الفكر، والتمكين للشباب، وفتح آفاق البناء الاقتصادي المتجدد.

«أحرار الجزائر يعرفون جيدا جوهر السيادة؛ إنها شرف الكلمة الصادقة، وحرية الفكر لكل فرد، وجسارة المبادرة، واعتزاز الأمة بأجيالها الصاعدة لتهيئتها لحمل المشعل في إطار الاستمرارية والتجدد.»

—  بوعلام صنصال

حانت لحظة العودة إلى الديار. لقد فاقت هذه الزيارة الأولى للمغرب جميع توقعاتي. وأشعر بغبطة عارمة لما بلغته هذه البلاد التي أعادت ابتكار نفسها وامتلكت مفاتيح الإصلاح الفعلي ومقومات النجاح الميداني الملهم. هي قصة نجاح تفرض نفسها نموذجا جديرا بالدراسة والاحتذاء، وسأحرص على تكرار زياراتي لمواكبة هذا التطور والاحتفاء به مع رفاق الدرب.

ينتابني الحزن على فرنسا التي تدور في حلقة مفرغة بعدما عجزت عن الثبات وعزلت نفسها عن طموحات أهلها الحقيقية. وأشعر بأسى مضاعف إزاء الجزائر، المرتهنة لسياسات نظام يقودها نحو سراب مظلم.

تحرير من طرف بوعلام صنصال
في 06/11/2026 على الساعة 17:13