وفي خضم الأحداث الدولية، وقع تطور جيوسياسي هام. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو قضايا أخرى بعيدا عن المغرب والجزائر، انتهت مهمة البعثة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في الصحراء، مما يفتح حقبة جديدة لهذا الملف الذي ظل يراوح مكانه لفترة طويلة. ويسلط تحليل معمق نشر في ذا ناشيونال إنترست، وهو موقع إلكتروني بارز يعنى بالسياسة الخارجية والأمن القومي والدفاع، بقلم بريت دي. شيفر وليام كار، الضوء على الديناميات العميقة لهذه القضية. وحمل المقال عنوانا معبرا: « لقد حان الوقت أن تغادر الأمم المتحدة الصحراء الغربية ».
ولإدراك أهمية هذه القراءة، ينبغي النظر في الخبرة التي يتمتع بها مؤلفاه. فبريت دي. شيفر هو باحث مرموق في معهد أمريكان إنتربرايز (American Entreprise Institue)، وتتمحور أعماله على المعاهدات متعددة الأطراف، وعمليات حفظ السلام، ونظام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وقد سبق له العمل كباحث رئيسي في مؤسسة هيريتيج (Heritage Foundation)، كما كان عضوا في لجنة المساهمات التابعة للأمم المتحدة، وتعاون مع معهد الولايات المتحدة للسلام، فضلا عن خبرته السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية. أما ليام كار، فهو مسؤول فريق أفريقيا ضمن مشروع التهديدات الحرجة (Critical Threats) التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز. وباعتباره متخصصا في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، مع تركيز خاص على الصومال ومنطقة الساحل، فهو حاصل على شهادة من جامعة نوتردام في العلوم السياسية، والتاريخ، واللغة العربية، ودراسات الأمن الدولي.
ويرى المؤلفان أن نهاية المينورسو قد غطت عليها الأحدات السياسية التي شهدتها تلك الفترة؛ إذ « توارَت في خضم الصخب الإعلامي المحيط بالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، ومسلسل اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة ». لكن هناك أمر مؤكد: وهو أن بعثة المينورسو، بعد خمسة وثلاثين عاما من وجودها، قد انتهت بسبب عجز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن التوصل إلى اتفاق بشأن تجديد ولايتها.
وعلى الرغم من أن هذه النهاية أثارت مخاوف من حدوث حالة من عدم الاستقرار، إلا أن شيفر وكار يتبنيان منظورا واقعيا. فهما يريان أن عمليات حفظ السلام الأممية، بدلا من أن تكون حصنا ضد الفوضى، ساهمت في الحفاظ على جمود الوضع القائم. فبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تعد هذه العملية « تساعد في تهيئة الظروف المواتية للتوصل إلى حل سياسي، بل أصبحت توفر ذريعة لتجنب البحث عن هذا الحل ».
تقادم مخطط له
وأشار تحليل كل من بريت دي. شيفر وليام كار إلى أن زوال المينورسو لا يشكل كارثة، بل قد يساهم في كسر حالة الجمود الدبلوماسي المستمرة منذ زمن طويل. فمن خلال كشف حقيقة هذه الهيئة الأممية التي تحولت إلى مجرد غطاء لتجميد النزاع، تتيح نهاية المهمة فرصة لإعادة النظر جذريا في المسار السياسي واستكشاف سبل جديدة وبراغماتية للحل.
ويأتي هذا في وقت مالت فيه الدينامية الجيوسياسية لصالح المغرب. فقد نجحت المملكة، بفضل سياسة لوبيينغ فعالة، في تقويض الدعم الموجه للجمهورية الصحراوية الوهمية داخل القارة الأفريقية. وقد تسارع هذا التحول الدبلوماسي في عام 2020 مع الاعتراف الرسمي للولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء. واوضح بريت دي. شيفر وليام كار موقف الإدارة الأمريكية بالقول: « إن قيام دولة صحراوية مستقلة ليس خيارا واقعيا لحل النزاع،... وأن حكما ذاتيا حقيقيا في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتحقيق ». وقد ترافق الاعتراف الأمريكي بدعوة ملحة لبدء مفاوضات ترتكز بشكل حصري على هذا الأساس الوحيد.
وفي خضم ذلك، بات لزاما على المجتمع الدولي الإقرار باستحالة إجراء استفتاء. وقد حذت العديد من الدول الأفريقية والأوروبية حذو هذا التوجه، معلنة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007، ومترجمة هذا الموقف عمليا من خلال فتح قنصليات لها في الأقاليم الجنوبية. وأشار المؤلفان إلى أن هذا التطور قد تجسد على مستوى الأمم المتحدة في القرار رقم 2797 الصادر في عام 2025، الذي يحث « الأطراف على الانخراط في هذه المناقشات دون شروط مسبقة، استنادا إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي »، كما يقر بأن « الحكم الذاتي الحقيقي يمثل المخرج الأكثر واقعية ».
وفي أكتوبر 2026، سعت الولايات المتحدة إلى تكريس هذا التحول من خلال المطالبة بأن يصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد للتفاوض. ويرى التحليل أن الولايات المتحدة كانت « على صواب في ممارسة الضغط لتغيير الوضع القائم »، إلا أن استخدام روسيا للفيتو حال دون التوصل إلى تسوية. وأشار التحليل إلى أنه في ظل غياب اتفاق داخل مجلس الأمن، انتهت البعثة الأممية، مما أثار ردود فعل متباينة. فقد رحب المغرب بإنهاء مهمة البعثة، بينما عبرت الجزائر، التي كانت هي المصدر الفعلي للبلوكاج، عن أسفها لذلك.
وبالتالي، يرى المؤلفان أن استمرار البعثة الأممية لم يعد مبررا، إذ بات أشبه بإجراء روتيني بيروقراطي مكلف وعقيم. فلم يكن ليؤدي إلى « أي نتيجة إيجابية »، كما أنه « لم يعد يتماشى مع موقف الولايات المتحدة، ولا مع موقف شريحة متزايدة من المجتمع الدولي، بما في ذلك العديد من الدول الأفريقية ».
واستنادا إلى تصريحات السفير الأمريكي مايك والتز، وصف التحليل الإبقاء على هذا الوضع القائم بأنه « غير إنساني » على اعتبار أنه « يحكم على جيل جديد بالنزوح والمعاناة »، دون أن يشكل في الوقت ذاته ضمانة حقيقية لمنع اندلاع الحرب.
وأضاف التحليل أن « وجود 158 فردا من قوات حفظ السلام و201 موظف مدني تابع للأمم المتحدة في الصحراء الغربية لم يشكل رادعا للأعمال العدائية، بل كان ذريعة مريحة لتجنبها ».
من خلال وضع حد لهذا الهيئة الجامدة، تراهن واشنطن على إحياء الدبلوماسية المباشرة. وسيساهم غياب بعثة المينورسو في إحداث صدمة إيجابية ضرورية، تدفع الجزائر وجبهة البوليساريو إلى الانخراط أخيرا في مفاوضات جوهرية وحقيقية.
وتخلص المجلة الأمريكية إلى القول: « لا يسعنا إلا أن نأمل في أن يدفع إنهاء مهمة المينورسو الأطرافَ المعنية إلى بذل جهود جادة لتسوية النزاع بدعم من الولايات المتحدة. فالتاريخ يعلمنا أن تجديد تفويض البعثة ما كان ليمكننا من تحقيق هذا الهدف ».
