بنطلحة يكتب: انتخابات 2026 ورهان قيادة الحكومة المقبلة

محمد بنطلحة الدكالي

في 05/05/2026 على الساعة 08:34

مقال رأييدخل المغرب مرحلة دقيقة تتسم بتزامن ملفات في غاية الأهمية، تتداخل فيها الأولويات وتقترب آجالها بشكل غير مسبوق. فالأعوام المقبلة لن تكون مجرد امتداد عادي للدورة الحكومية، بل ستكون محطة حاسمة تختبر قدرة الدولة على تنفيذ اختياراتها الاستراتيجية بكفاءة، وتحقيق نتائج ملموسة تواكب حجم التحديات المطروحة.

وفي صدارة هذه الملفات يبرز ملف الصحراء المغربية، الذي يقترب من مرحلة الحسم، في ظل اتساع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا واقعيا وجادا وذا مصداقية. ويأتي ذلك في سياق نجاح المغرب في تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة، تجعل المرحلة المقبلة تتجه نحو تدبير هذا المسار في أبعاده السياسية والمؤسساتية، مع الانتقال إلى تنزيل الحكم الذاتي بشكل تدريجي ومندمج، وهو انتقال يفرض حكومة قادرة على ضمان انسجام هذا التدبير، وربط مقتضيات السيادة بمتطلبات التنظيم الترابي في إطار رؤية دقيقة.

ويأتي بعد ذلك تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، كموعد دولي حاسم تختبر فيه جاهزية البنيات التحتية بمختلف مكوناتها، وفعالية المنظومة الأمنية، ونجاعة الأداء العمومي ، وما يواكب ذلك من تعزيز جاذبية البلاد كوجهة للاستثمار. ويمتد هذا الاستحقاق على سنوات من الإعداد، حيث تتقاطع رهانات الاقتصاد والسياحة والدبلوماسية لتعزيز تموقع المغرب دوليا ضمن ورش وطني واسع.

أما داخليا، فقد أصبح ورش الجهوية المتقدمة والتنمية المجالية المندمجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فلم يعد النقاش محصورا في حجم الاستثمار العمومي على المستوى المركزي، بل في كيفية توزيع هذا الاستثمار مجاليا، وفي قدرة الجهات على بلورة برامج تنموية مندمجة تقوم على تثمين الموارد المحلية وضمان التقائية السياسات العمومية. وهو ما يفرض حكومة قادرة على قيادة هذا التحول عبر تنسيق فعلي بين مستويات القرار المختلفة، وتفعيل آليات الحكامة الترابية، بما يضمن الانتقال من منطق التخطيط المركزي إلى منطق التدبير المجالي القائم على النجاعة و يترجم هذا التحول إلى نتائج ملموسة.

وفي هذا الإطار، تكتسب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 أهمية خاصة. فهي لن تحدد فقط التوازنات الحزبية المقبلة، بل ستفرز أيضا الإطار السياسي الذي سيتولى قيادة الحكومة خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في المغرب المعاصر. ولهذا، فإن السؤال المطروح لا يقتصر على أي حزب سيتصدر الانتخابات، بل يمتد إلى طبيعة القيادة الحكومية التي تفرضها هذه المرحلة، وإلى الشخصية القادرة على إضفاء ما يلزم من وزن وتماسك على العمل الحكومي، بما يضمن التنسيق الفعلي وصرامة التنفيذ.

وفي خضم هذا النقاش، برز خلال الفترة الأخيرة اسم المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في بعض القراءات السياسية والتحليلية، كفرضية تعكس طبيعة المرحلة المقبلة ومتطلباتها. فالرجل راكم مسارا مؤسساتيا طويلا، جمع فيه بين المعرفة الدقيقة بمنطق الدولة، والخبرة في تدبير التوازنات، والقدرة على التعامل مع الملفات الحساسة بكثير من الهدوء والفعالية. وهذه الخصائص تجعل اسمه يحضر كلما طرح سؤال الحكومة القادرة على إدارة مرحلة مركبة، حيث لا يكفي الخطاب السياسي وحده، بل تصبح القدرة على التنسيق والتنفيذ وإدارة الملفات بإحكام عناصر حاسمة.

ويستند ذلك إلى قراءة موضوعية لمسار شخصية وازنة ظلت، في مراحل مختلفة، قريبة من دوائر القرار ومن ملفات تتطلب درجة عالية من الدقة والحس الاستراتيجي. فهناك شخصيات لا تقاس فقط بعدد المناصب التي تقلدتها، بل بنوعية المواقع التي مرت منها، وبقدرتها على فهم ما لا يظهر دائما في الواجهة.

غير أن أي نقاش من هذا النوع لا يكتسب معناه إلا داخل الإطار الدستوري. فالدستور المغربي يحسم بوضوح في مسار تشكيل الحكومة، حيث ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ومن ثم، فإن أي تصور سياسي محتمل لا يمكن أن يتأسس إلا على الشرعية الانتخابية، وفي ضوء التوازنات التي تفرزها صناديق الاقتراع.

إن الالتزام بالإطار الدستوري لا ينفي تعدد الصيغ السياسية الممكنة. فقد تفرز الانتخابات أغلبية واضحة، كما قد تفضي إلى مشهد حزبي يستدعي تشكيل ائتلاف واسع، أو إلى توافق سياسي يفضي إلى ائتلاف حكومي قائم على برنامج واضح يرتكز على أولويات استراتيجية محددة. وفي مثل هذه الحالات، لا ينصرف النقاش إلى الإطار المؤسساتي فقط، بل إلى كيفية بلورة قيادة حكومية قادرة على ترجمة الأغلبية البرلمانية إلى فعل تنفيذي منسجم.

وتقدم التجارب الدولية أمثلة دالة في هذا المجال. ففي ألمانيا، شكلت تجربة «التحالف الكبير» نموذجا للحكومات الائتلافية الواسعة، حيث جمعت بين الاتحاد المسيحي الديمقراطي/المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهما أكبر قوتين سياسيتين في البلاد، لتأمين أغلبية مستقرة في البرلمان، وهو نموذج لم يقتصر على تجربة تاريخية، بل تكرر في فترات حديثة لضمان الاستقرار واستمرارية القرار العمومي في لحظات دقيقة. كما تظهر تجربة إسبانيا قدرة الأنظمة السياسية على إنتاج تحالفات مركبة في ظل غياب أغلبية واضحة، بما يسمح باستمرار العمل الحكومي رغم تعقيد التوازنات.

وفي سياق مختلف، أبرزت تجربة إيطاليا مع ماريو دراغي إمكانية اللجوء إلى صيغ حكومية واسعة تقوم على منطق الثقة والكفاءة لتدبير ظرفية سياسية واقتصادية دقيقة. وتبرز هذه النماذج أن المرحلة، عندما تتسم بتعقيدها، تدفع نحو صيغ حكومية أكثر مرونة، قادرة على الجمع بين الشرعية السياسية والفعالية التنفيذية.

من هنا، يمكن فهم حضور اسم فؤاد عالي الهمة في النقاش السياسي المغربي باعتباره تعبيرا عن حاجة أعمق: الحاجة إلى شخصية سياسية وازنة تحظى بالثقة والمصداقية، تستطيع أن تجمع بين إلمام دقيق بمنطق اشتغال الدولة وفهم السياسة والقدرة على التنسيق والاشتغال الهادئ على الملفات الكبرى. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل حكومة عادية بالمعنى التقليدي، ولا إدارة يومية متفرقة للقطاعات، بل تحتاج إلى مركز تنفيذي قوي، قادر على ترتيب الأولويات، وربط الزمن السياسي بزمن الإنجاز.

تبقى الكلمة الأخيرة، بطبيعة الحال، للناخب المغربي، فهو الذي سيحدد عبر صناديق الاقتراع الخريطة السياسية التي ستنبثق عنها الحكومة المقبلة. وعلى هذا الأساس، سيتم تفعيل الآليات الدستورية والمؤسساتية وفق ما تقتضيه النتائج والتوازنات، بما يحدد شكل الحكومة وتركيبتها. غير أن طبيعة المرحلة التي يتجه إليها المغرب، في أفق 2030 وما بعده، تفرض في المقابل الحاجة إلى قيادة حكومية ذات وزن خاص، قادرة على مواكبة الملفات الكبرى بنفس استراتيجي وبحس تنسيقي عال، وبقدرة على تحويل التوجهات العامة إلى إنجازات ملموسة.

فالمرحلة المقبلة لن تكون امتدادا لتدبير اعتيادي، بل محطة لترسيخ موقع المغرب وتعزيز تموقعه الاستراتيجي.

وفي مثل هذه المحطات، تتأسس أهمية الحكومة على شرعيتها الدستورية وشكلها القانوني، وتتأكد في الوقت نفسه بقدرتها الفعلية على فرض الانسجام في الفعل العمومي، وضمان تماسك القرار، وتسريع وتيرة التنفيذ بما يواكب متطلبات هذه المرحلة.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 05/05/2026 على الساعة 08:34