وليس ذلك إلا نتيجة مباشرة لطريقة نظر هذا النظام إلى الرياضة نفسها، إذ يفترض فيها أن تكون مجالا مضبوطا بقواعد مشتركة تتيح التنافس الشريف، بينما يتم التعامل معها كامتداد لصراع سياسي يزج به داخل الملعب، فتفرغ القيم الرياضية من مضمونهاالنبيل.
ومن هنا تكتسب بعض الوقائع دلالتها الخاصة، وفي مقدمتها قضية نهضة بركان، حيث تم افتعال خلاف بسبب القميص الذي حمل خريطة المملكة المغربية كاملة، وهو ما جرى توظيفه لخلق حالة توتر انتهت بتعطيل المباراة نفسها، في سلوك يكشف أن المقصود لم يكن التنافس بقدر ما كان إعادة توظيف الحدث لترسيخ خطاب سياسي جاهز.
وفي وهران، خلال نهائي أقل من 17 سنة، بلغ هذا المنحى درجة أكثر وضوحا، حين تعرض لاعبو المنتخب المغربي، وهم قاصرون، لاعتداءات مباشرة بعد نهاية المباراة، في مشهد كشف إلى أي حد يمكن أن تجرد المنافسة من معناها حين يرفع عنها بعدها التربوي، ويفسح المجال لسلوك لا تضبطه قواعد ولا تردعه أبسط اعتبارات الاحترام التي يفترض أن تؤطر مثل هذه الفئات.
ويمتد هذا التداخل حتى إلى مستوى الرموز، كما ظهر في قضية القميص المستوحى من الزليج المغربي، حيث تم تقديم رمز ثقافي مغربي خالص في سياق مغاير، قبل أن تضطر شركة أديداس نفسها إلى التراجع عن التصميم تحت ضغط الاعتراضات، في واقعة كشفت أن الأمر لم يكن مجرد اختيار فني عابر، بل محاولة توظيف رمزي سرعان ما انكشفت محدوديتها، بما يعيد التأكيد أن الإشكال لا يتعلق بالرياضة في ذاتها، بل بما يراد تحميلها إياه من دلالات خارجها.
وخلال تنظيم المغرب لكأس إفريقيا مؤخرا، حين أطلق النظام الجزائري حملة تشكيك منظمة استهدفت النيل من نجاح تنظيمي لقي إشادة واسعة وإعجابا دوليا، واعتبر نموذجا لتنظيم بمعايير عالمية، وذلك في تعبير صريح عن توجه يقوم على محاصرة كل إنجاز مغربي والتشويش عليه.
وإذا كان هذا السلوك قد برز في السنوات الأخيرة بشكل أكثر وضوحا، فإن جذوره تمتد إلى مراحل سابقة، حيث تكشف بعض الوقائع المرتبطة بمنتخب الجزائر لكرة القدم في الثمانينيات عن وجه آخر من أوجه الاستغلال البشع للرياضة، لا يتعلق هذه المرة بالمباريات، بل بجسد الرياضي نفسه. فقد تحدث محمد شعيب، ومحمد قاسي سعيد، وجمال مناد، إلى جانب أسماء أخرى، عن معاناة مشتركة تمثلت في إصابة أبنائهم بإعاقات خطيرة، وهو ما دفعهم إلى طرح تساؤلات جدية حول طبيعة المواد التي كانت تعطى لهم على شكل منشطات خلال المعسكرات التحضيرية دون علم دقيق بحقيقتها أو آثارها.
وفي امتداد لهذه الذهنية نفسها، برزت قضية « الملاكمة » إيمان خليف، التي تحولت من منافسة رياضية إلى موضوع جدل دولي واسع، خاصة بعد انسحاب الملاكمة الإيطالية أنجيلا كاريني بعد لحظات من بداية النزال الذي جمعهما، وتصريحاتها باكية حول طبيعة الضربات التي تلقتها والتي صرحت بأنها لم تتعرض لها في حياتها، في سياق أعاد إلى الواجهة تقارير تشير إلى تركيبة كروموسومية XY لدى « الملاكمة » الجزائرية، المرتبطة بيولوجيا بالذكور، بما يطرح إشكالا مباشرا على مستوى تكافؤ الفرص في المنافسات النسوية. غير أن النقاش لم يطرح في حدوده المرتبطة بتكافؤ الفرص، بل جرى توجيهه في اتجاه تعبوي، قدم فيه الأمر كإنجاز، بدل أن يكون موضع مساءلة، في تجل آخر لاستغلال الرياضة خارج غاياتها.
إن تراكم هذه الوقائع يكشف أن المسألة لا ترتبط بأحداث معزولة، بل بتصور منحرف للرياضة بوصفها مجالا قابلا للتوظيف الدنيء، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك الجماهير التي لم تعد تجد في المدرجات فضاء للتشجيع، بل امتدادا لحالة عنف تتم تغذيتها باستمرار، في تعبير واضح عن إخفاق النظام الجزائري في نقل القيم الرياضية النبيلة إلى مواطنيه، حيث تحول المشجع من حامل لروح التشجيع، إلى أداة للشغب والفوضى.
إن هذا السلوك المنحط لم يعد يقبل الاكتفاء بردود فعل آنية أو معالجات ظرفية ومحصورة، بل يفرض تدخلا حازما من الهيئات الكروية القارية والدولية، التي باتت مطالبة بالتعامل مع هذه الممارسات بصرامة، ووضع حد لهذا المنزلق الذي يزج بالملاعب في صراعات لا تمت إلى الرياضة بصلة، لأن الاستمرار في التغاضي لا يعني سوى ترسيخ هذا النموذج وتوسيع نطاقه.
