مأساة أولاد سعيد: ألسنة اللهب تحصد خسائر فادحة.. القصة الكاملة لفاجعة الحرائق بضواحي سطات

النيران أتت على منازل سكان جماعة الحوازة نواحي سطات

أحد المنازل المتضررة بجماعة الحوازة التابعة لإقليم سطات

في 02/06/2026 على الساعة 14:43

فيديو​عاشت جماعة الحوازة، التابعة لقيادة أولاد سعيد بإقليم سطات، والتي تبعد عن مدينة سطات بحوالي 12 كيلومترا، (عاشت) ساعات عصيبة جراء حرائق مهولة أتت على الأخضر واليابس، محولة آلاف الهكتارات ومصادر رزق فلاحين إلى رماد، كما خلفت ضحيتين من عائلة واحدة (فتاة عشرينية وعمها)، إلى جانب إصابات البعض بحروق متفاوتة الخطورة، وسط حالة من الصدمة والذهول التي خيمت على المنطقة.

وحسب ما رصدته كاميرا Le360، لم يكن ما عاشته سبعة دواوير متضررة بجماعة الحوازة، شيئا عاديا، فألسنة اللهب المتطايرة التهمت ما يزيد عن 3400 هكتار من الأراضي الفلاحية التي كانت سنابلها الذهبية تدلي رؤوسها المثقلة بالحبوب، في انتظار لحظة الحصاد التي تأخرت قليلا عن موعدها بسبب ارتفاع درجات الحرارة ذلك الأسبوع. غير أن القدر كانت له كلمة أخرى، إذ اندلعت ألسنة النيران فجأة، والتي سرعان ما غذتها الرياح القوية فامتدت بسرعة مذهلة، لتلتهم مساحات شاسعة من الحقول تمتد على أكثر من 30 كيلومترا.

وفي مشهد مؤلم، تحول الحقل الذي كان يبشر بالوفرة إلى مساحة من الرماد والدخان، في فاجعة خلفت حزنا عميقا وخسائر مادية كبيرة، وأثرا بالغا في نفوس السكان، الذين شاهدوا تعب موسم كامل يضيع في لحظات، وهم من كانوا يمنون أنفسهم بحصاد هذا العام بعد سبع سنين من الجفاف.

النيران لم تأتِ فقط على الأراضي الفلاحية، بل شملت تضرر حوالي 900 أسرة، أي ما يناهز، حسب مصدر من الجماعة، 2500 شخص من السكان المحليين، فضلا عن نفوق عدد من رؤوس الماشية، حيث تم إحصاء نفوق 12 رأسا من الأبقار و24 رأسا من الأغنام كحصيلة مؤقتة، في وقت ما زالت تتواصل فيه مجهودات السلطات لإحصاء باقي الأضرار.

​لم تقتصر ألسنة اللهب على التهام الحقول والمواشي فحسب، بل امتدت لتلتهم جدران البيوت الطينية والإسمنتية بالدواوير المنكوبة، محولة سكن الأسر إلى أطلال موحشة تفوح منها رائحة التفحم.

وفي جولة بين هذه المنازل، يبدو المشهد صادما ومحزنا، فأسقف المنازل تهاوت بالكامل، والأثاث تحول إلى رماد، حتى الأواني والأجهزة المنزلية من ثلاجات وآلات التصبين والملابس ذابت تحت وطأة الحرارة المرتفعة، بالنيران لم تترك خلفها سوى جدران سوداء متفحمة تشهد على حجم الرعب الذي عاشته الأسر، التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا سقف يأويها، بعد أن قضت النيران على كل ما تملكه داخل جدران كانت بالأمس القريب تنبض بالحياة والدفء.

و​في جولة لـLe360 بين ركام الرماد وما تبقى من المحاصيل، التقينا ببعض المتضررين الذين تحدثوا بحرقة عن حجم الفاجعة، حيث أوضح ​عبد الكبير، وهو كساب متضرر، قائلا: «لم نعد نملك شيئا، النيران حاصرتنا من كل جهة ولم نتمكن سوى من إنقاذ أرواحنا وأطفالنا، النيران التهمت الحبوب والأعلاف والأبقار والأغنام التي كانت رأس مالي الوحيد لمواجهة مصاريف الحياة، نحن الآن في مواجهة المجهول».

في حين صرحت سيدة ربة بيت، متضررة من الكارثة: «ألسنة اللهب كانت مرعبة والدخان خنق أنفاسنا، ولم نجد بدا من الهروب وترك كل ما نملك يحترق أمام أعيننا، فقدنا كل شيء ولم نعد نملك سوى الملابس التي نرتديها، النيران أتت على كل شيء في لمح البصر، حتى أوراقنا الثبوتية ضاعت وسطها، ولا نعلم كيف سنواجه الأيام القادمة إن لم تتدخل الجهات المسؤولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».

سيدة طاعنة في السن من سكان أحد الدواوير المتضررة، تحدثت بحرقة عن هول ما عاينته، حيث قالت: «عشت في هذه الأرض عقودا طويلة، وعاصرت سنوات الجفاف والشدة، وأيضا سنوات الرخاء والكرم، لكنني طوال حياتي لم أشهد كارثة بمثل هذا الرعب، النيران كانت تلتهم كل شيء في طريقها بشكل يصعب وصفه، وحز في نفسي أن أرى المحاصيل والماشية تحترق أمام أعيننا دون أن نملك حيلة لإنقاذها، نحن لم نعرف مثل هذه النكبة طوال حياتنا، ورماد هذه الليلة أخذ معه شقاء عمرنا كله».

من جهته أوضح محمد، وهو فلاح متضرر أيضا، بأن النيران أتت على أرضه ومنزله ولم تترك شيئا وراءها، «حتى سرير ابني المعاق التهمته النيران، ودراجتي النارية التي أتنقل بها لم يبقَ منها شيء»، في حين أضافت زوجته بحرقة: «حتى ثلاجتي وماكينة التصبين احترقا، ولا أعلم كيف سنواجه الأيام المقبلة إن لم تتدخل السلطات».

ورغم قساوة المشهد وحجم الدمار، انبعث بريق أمل من وسط الركام، حيث شهدت المنطقة هبة تضامنية واسعة بين سكان المنطقة، ما يعكس قيم التآزر والتآخي التي تميز المغاربة في مثل هذه المصائب، فسكان المناطق المجاورة، وخاصة سكان قيادة أولاد سعيد، سارعوا إلى إطلاق حملة تضامن واسعة النطاق لتقديم المساعدات العاجلة، والدعم المادي والعيني للأسر المنكوبة، في محاولة للتخفيف من وطأة الفاجعة، في انتظار ما ستسفر عنه مجهودات اللجان الرسمية التي تواصل ليل نهار إحصاء الأضرار لتعويض المتضررين وإعادة الحياة إلى طبيعتها في الجماعة.

تحرير من طرف حفيظة وجمان و سعيد بوشريط
في 02/06/2026 على الساعة 14:43