ما قصة حرائق شديدة دمّرت أراضٍ فلاحية بالمغرب تزامنا مع موسم الحصاد؟

اشتعال نيران في محاصيل زراعية بإقليم سطات

في 29/05/2026 على الساعة 14:47

تحولت مساحات واسعة من الحقول الفلاحية المغربية، خلال الأيام الأخيرة، إلى رماد، بعدما اجتاحت حرائق مفاجئة عددا من مناطق المملكة، مخلفة خسائر ثقيلة في محاصيل الحبوب، وحالة من الحزن والصدمة وسط الفلاحين، وذلك تزامنا مع استعداد آلاف المزارعين لجني محصول طال انتظاره، بعد سنوات متتالية من الجفاف.

وشهدت عدة أقاليم مغربية اندلاع حرائق وصفت بـ«العنيفة»، بعدما أتت النيران على مئات الهكتارات المزروعة بالحبوب، في مشاهد وثقتها مقاطع فيديو وصور جرى تداولها بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت ألسنة اللهب وهي تلتهم سنابل القمح والشعير في ظرف وجيز، وسط محاولات يائسة للفلاحين وعناصر الوقاية المدنية لمحاصرة الحرائق ومنع امتدادها إلى حقول مجاورة.

وبينما لا تزال بعض أسباب هذه الحرائق مجهولة، كشفت معطيات متداولة أن آلة حصاد في حالة ميكانيكية متدهورة كانت وراء اندلاع حريق ضخم ضواحي آسفي، بعدما تسببت شرارة ناتجة عنها في إشعال مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية، في وقت ساهمت فيه درجات الحرارة المرتفعة والرياح القوية في تسريع انتشار النيران بشكل لافت.

وفي منطقة الغرب، أدى بلوغ درجات الحرارة حوالي 44 درجة إلى اندلاع ثلاثة حرائق متفرقة بكل من سيدي سليمان وسيدي قاسم، ما زاد من حالة القلق في صفوف الفلاحين الذين يخوضون سباقا مع الزمن لإنقاذ محاصيلهم، قبل وصول موجات حر جديدة متوقعة خلال الأيام المقبلة.

وتأتي هذه التطورات في سياق موسم فلاحي يصفه مهنيون ومختصون بـ«الاستثنائي»، بالنظر إلى تحسن التساقطات المطرية منذ شهر دجنبر الماضي، وانتعاش الغطاء النباتي، وارتفاع نسبة ملء السدود، وهي عوامل أعادت الأمل للفلاحين بعد سنوات عجاف اتسمت بندرة الأمطار وتراجع الإنتاج.

في المقابل، يرافق هذا التفاؤل، بحسب خبراء، تهديد حقيقي مصدره التغيرات المناخية الحادة التي باتت تجعل الحقول الزراعية أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وتغير طبيعة الغطاء النباتي ودينامية الرياح.

وفي هذا السياق، دعا كمال أبركاني، الخبير في الهندسة والعلوم الزراعية بالكلية متعددة التخصصات الناظور، التابعة لجامعة محمد الأول، إلى رفع درجة اليقظة واعتماد إجراءات استباقية لحماية الموسم الفلاحي الحالي من أخطار الحرائق، موضحا، في تصريح هاتفي لـLe360، أن الموسم الفلاحي الحالي يبشر بإنتاج جيد بفضل التساقطات المطرية التي عرفتها المملكة منذ شهر دجنبر الماضي، إلى جانب تحسن حقينة السدود وانتعاش الغطاء النباتي.

ومن جهة أخرى، يرى أبركاني أن هذه المؤشرات الإيجابية ترافقها تحديات حقيقية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وتغير طبيعة الغطاء النباتي ودينامية الرياح، وهي عوامل، حسب تعبيره، ترفع من احتمالات اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة كبيرة داخل الحقول الزراعية، مؤكدا أن التربة التي عانت لسنوات من الجفاف أصبحت أكثر هشاشة أمام موجات الحر، ما يجعل بعض المناطق الزراعية عرضة للاشتعال بشكل أكبر مقارنة بالسنوات الماضية، مشددا على أن الحرائق لم تعد حوادث معزولة، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم والمغرب على وجه الخصوص.

وشدد أبركاني، في السياق نفسه، على ضرورة اعتماد الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة كآليات أساسية للوقاية من الحرائق، من خلال توظيف المجسات الذكية والطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية لرصد أي بؤر محتملة للنيران في مراحلها الأولى، قبل تحولها إلى كوارث واسعة النطاق، معتبرا أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال مكافحة حرائق الغابات، تمكنه الاستفادة من هذه الخبرة لحماية المحاصيل الزراعية خلال موسم الحصاد.

ودعا الخبير الفلاحي إلى تفعيل لجان اليقظة على المستوى المحلي والجهوي، والتدخل بشكل استباقي وعدم انتظار اندلاع الحرائق للتدخل، عبر تحديد المناطق الأكثر عرضة للمخاطر، اعتمادا على النماذج العلمية ومعطيات الطقس التي توفرها المديرية العامة للأرصاد الجوية، خاصة ما يتعلق بدرجات الحرارة ودينامية الرياح، مشيرا إلى أن زراعة مساحات شاسعة من الحبوب دون فواصل أو عوازل طبيعية يزيد من خطورة انتشار النيران.

وأبرز الخبير أهمية اعتماد تخطيط فلاحي يراعي شروط السلامة والوقاية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز والسلطات المحلية وقطاع المياه والغابات من أجل التدخل السريع والفعال في حالة وقوع أي حريق.

ولم يفت أبركاني التأكيد على الدور المحوري للتحسيس والتوعية، خاصة في صفوف الفلاحين الصغار الذين قد لا يدركون مؤشرات الخطر المرتبطة بالتقلبات المناخية، داعيا، في السياق ذاته، الجمعيات المهنية والغرف الفلاحية إلى الانخراط في حملات توعوية ميدانية حول طرق الوقاية والتعامل السريع مع الحرائق، ومشددا على أن سرعة التدخل وتحديد نطاق الحريق في بدايته يساهمان بشكل كبير في الحد من انتشاره وتقليص خسائره.

ويرى المتحدث أن الرهان على الإنتاج المحلي للحبوب هذا العام، خاصة بعد وقف استيرادها، يمنح هذا الموسم بُعدا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي الوطني، ما يفرض حماية المحاصيل الزراعية من مختلف المخاطر الطبيعية، مضيفا أن الفلاح المغربي، الذي تحمل خلال السنوات الأخيرة تبعات الجفاف والتقلبات المناخية والفيضانات والاضطرابات الاقتصادية الدولية، أصبح اليوم في حاجة إلى مزيد من المواكبة والدعم والتأطير.

وختم أبركاني تصريحه بالتأكيد على أن المغرب يمتلك من المؤسسات والخبرات والإمكانات ما يؤهله لتفادي سيناريوهات الخسائر الكبرى، معتبرا أن نجاح ذلك يبقى رهينا بتعزيز ثقافة الوقاية وروح المواطنة، عبر تجنب مسببات اندلاع الحرائق، ورفع مستوى اليقظة، وتكثيف التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتحول موجات الحر المرتقبة إلى تهديد مباشر لموسم فلاحي يُعوّل عليه لإنعاش الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي للمملكة.

تحرير من طرف محمد شلاي
في 29/05/2026 على الساعة 14:47