استحوذ حزب التجمع الوطني للأحرار بمفرده على زهاء 65 في المائة من إجمالي هذا الغلاف المالي، في حين أنفق حزب الأصالة والمعاصرة، متصدر النتائج النهائية بـ97 مقعدا، ثلث ما صرفه غريمه التجمعي. وعند احتساب تكلفة المقعد الواحد، يظهر انفصال واضح بين حجم الصبيب المالي وترتيب النتائج الانتخابية، في اقتراع سجل نسبة مشاركة استقرت عند 38 في المائة.
وتتيح البيانات العامة لمنصات «ميتا»، غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، مقارنة الأرقام المحققة بمؤشر التمويل الترويجي الذي ضخته الأحزاب طوال الأسابيع التي سبقت يوم الاقتراع.
وترصد الأرقام المأخوذة من «مكتبة إعلانات ميتا» حركة الإنفاق خلال الأيام التسعين السابقة لتاريخ 22 شتنبر، متضمنة المبالغ التي صرفتها صفحات قيادات حزبية مرتبطة بالتنظيمات السياسية المعنية، مع اعتماد الدولار كعملة قياس في هذه السجلات.
خريطة الإنفاق الرقمي ورهانات الزعامة
تصدر التجمع الوطني للأحرار القائمة باستثمار دعائي بلغ 189 ألفا و384 دولارا، وزعت على 936 مادة إشهارية عبر ثلاث صفحات. ونالت الصفحة الرسمية للحزب حصة الأسد بـ176 ألفا و664 دولارا مقابل 873 إعلانا ممولا، بينما تكلفت صفحة «برنامج الأحرار» بنحو 11 ألفا و762 دولارا موزعة على 31 إعلانا، واستقرت صفحة القيادي محمد شوكي عند 958 دولارا شملت 32 إعلانا.
وحل حزب الأصالة والمعاصرة ثانيا بإنفاق ناهز 61 ألفا و343 دولارا، مسجلا الكثافة الإعلانية الأعلى بإجمالي 1769 إعلانا ممولا. ورصدت الصفحة الحزبية المركزية 32 ألفا و87 دولارا عبر 886 إعلانا، متبوعة بصفحة القيادية فاطمة الزهراء المنصوري التي ضخت 20 ألفا و506 دولارات في 663 إعلانا، ثم صفحة المهدي بنسعيد بقيمة 8750 دولارا على امتداد 220 إعلانا.
إليك تعريب معطيات الجدول مع ترتيب الأعمدة من اليمين إلى اليسار:
| الحزب | النفقات (بالدولار) | المقاعد | كلفة المقعد (بالدولار) |
|---|---|---|---|
| التجمع الوطني للأحرار (RNI) | 189.384 | 66 | 2.869 |
| الأصالة والمعاصرة (PAM) | 61.343 | 97 | 632 |
| الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) | 11.892 | 26 | 457 |
| حزب الاستقلال (PI) | 21.256 | 65 | 327 |
| التقدم والاشتراكية (PPS) | 5.638 | 19 | 297 |
| الحركة الشعبية (MP) | 51 | 29 | 1,76 |
| العدالة والتنمية (PJD) | 84 | 54 | 1,56 |
وتبرز الهوة بين الحليفين الحكوميين في متوسط الإنفاق على المادة الواحدة؛ إذ خصص الأحرار زهاء 202 دولار لكل إعلان، مقابل نحو 35 دولارا للإعلان الواحد لدى «البام»، ما يجعل تكلفة الإعلان التجمعي تفوق نظيرتها بنحو ستة أضعاف.
واستقر حزب الاستقلال في المرتبة الثالثة برصيد 21 ألفا و256 دولارا لتمويل 225 مادة ترويجية. وتبعه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمجموع 11 ألفا و892 دولارا عبر 114 إعلانا، خصت منها 1081 دولارا و11 إعلانا صفحة الكاتب الأول إدريس لشكر، في حين صرف حزب التقدم والاشتراكية 5638 دولارا لتمويل 214 إعلانا.
وهوت معدلات الصرف الحزبي إلى مستويات دنيا لدى باقي الهيئات؛ إذ أنفقت فيدرالية اليسار الديمقراطي 926 دولارا عبر 99 إعلانا، والحزب الاشتراكي الموحد 219 دولارا في 9 إعلانات، وحزب العدالة والتنمية 84 دولارا لنفس العدد من الإعلانات، بينما اكتفى حزب الحركة الشعبية بـ51 دولارا غطت 4 إعلانات.
وتبعا لهذه الأرقام، استحوذ حزبا التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة معا على 250 ألفا و727 دولارا، أي ما يعادل 86 في المائة من إجمالي التدفقات الدعائية المرصودة، تاركين لسبعة أحزاب أخرى اقتسام ما تبقى من الكعكة الإعلانية بمجموع لا يتعدى 40 ألفا و66 دولارا.
كلفة المقعد النيابي: تفاوتات من 1 إلى 1800
يكشف مقياس كلفة المقعد النيابي عن مفارقات رقمية صادمة، استنادا إلى التركيبة المؤقتة لمجلس النواب المكون من 395 مقعدا.
وسجل التجمع الوطني للأحرار أعلى معدل إنفاق بـ 2869 دولارا للمقعد البرلماني الواحد، وهو رقم يعادل 4.5 أضعاف المعدل المسجل لدى حزب الأصالة والمعاصرة. وتتسع المفارقة عند وضع الأحرار في مواجهة حزب الاستقلال؛ فالطرفان نالا حصادا متقاربا تمثل في 66 و65 مقعدا تواليا، غير أن كلفة المقعد لدى التجمعيين فاقت ما سجله الاستقلاليون بنحو 8.9 أضعاف.
وفي الطرف المقابل، ظفر حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعدا باستثمار إعلاني هزيل لم يتجاوز 84 دولارا، ما جعل كلفة المقعد الواحد لديه تقف عند 1.56 دولار فقط، وهو المستوى نفسه الذي قاربه حزب الحركة الشعبية بنحو 1.76 دولار للمقعد، مع الإشارة إلى أن هذا المؤشر يقيس حجم الإنفاق المالي إزاء الحصيلة الرقمية دون قياس الأثر الميداني التفاعلي للدعاية في قرار الناخب.
وبالعودة إلى الاستحقاق الانتخابي لسنة 2021، كانت الأحزاب المغربية قد ضخت بين شهري مارس وغشت ما يناهز 177 ألف دولار في الدعاية الانتخابية عبر «فيسبوك»، أتى 90 في المائة منها من خزينة الأحرار وحدها.
وارتفعت الفاتورة الإجمالية المسجلة هذه السنة لتبلغ 290 ألفا و793 دولارا حُصرت في 90 يوما، مقارنة بستة أشهر من الرصد في الدورة السابقة. ورغم تعذر المطابقة التامة بين المحطتين بالنظر إلى شمول إحصاء 2026 لمختلف فروع شبكة «ميتا» وحسابات القادة الحزبيين، فإن الأرقام تعكس صعودا ملحوظا لافت للتكاليف.
وطرأ تحول ملحوظ على مراكز الثقل المالي؛ إذ تراجعت حصة الأحرار من 90 في المائة سنة 2021 إلى قرابة 65 في المائة من مجموع السيولة، في حين رفع الأصالة والمعاصرة حصته لتصل إلى 21 في المائة من مجموع ما تم ضخه.
حدود السطوة الرقمية وساعة الحساب المالي
لم يفلح السخاء المالي في حسم ترتيب الصناديق؛ فالتجمع المتصدر للإنفاق حل وصيفا في عدد المقاعد، بينما انتزع «البام» الصدارة رغم حلوله ثانيا في الصرف. وحصد «المصباح» رابع الكتل النيابية رغم تموضعه في مؤخرة المنفقين، في حين تراجع الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الرتبتين السادسة والسابعة نيابيا على خلاف موقعيهما الرابع والخامس في الفاتورة، ليبقى الاستقلال التنظيم الوحيد الذي تماثل ترتيبه الدعائي والانتخابي في الصف الثالث.
وجرى هذا السباق الرقمي تحت سقف عزوف واسع، عكسه تسجيل نسبة مشاركة لم تتعد 38 في المائة، وهي الأدنى في المملكة منذ تشريعيات 2007.
Dans un bureau de vote à Rabat.. AFP
ولم تقتصر مساعي التعبئة على الفاعلين السياسيين؛ إذ بثت صفحة «انتخابات المغرب» التي تضم 934 ألف متابع، 33 إعلانا يدعو المواطنين للتصويت بكلفة بلغت 28 ألفا و641 دولارا، متجاوزة ميزانية حزب الاستقلال برمتها، قبل أن تعمد «ميتا» إلى حذف جميع تلك الإعلانات لافتقارها إلى وسم الإفصاح عن المحتوى السياسي.
وتقتصر بيانات «مكتبة الإعلانات» على الحملات المدفوعة داخل بيئة «ميتا» وحدها، مستثنية المنشورات المجانية، والمنصات التفاعلية المنافسة، والعمل الدعائي الميداني في الشارع والدوائر الترابية.
ويفتح انقضاء الاقتراع مهلة 90 يوما أمام الهيئات السياسية والمرشحين لإيداع جرد مفصل لمصاريف الحملة لدى المجلس الأعلى للحسابات.
وستشكل هذه السجلات، الأولى من نوعها منذ التعديل القانوني المؤطر للدعاية الرقمية أواخر سنة 2025، محطة رقابية غير مسبوقة تتيح لقضاة المجلس مطابقة بيانات الأحزاب بالتفاصيل الدقيقة الموثقة إعلانا بإعلان عبر مكتبة «ميتا».
















