ما بعد تعيين المنصوري.. خريطة المسار الدستوري لتشكيل الحكومة المقبلة

فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة حزب الأصالة والمعاصرة، المكلفة بتشكيل الحكومة

في 29/09/2026 على الساعة 19:30

يدخل المسار الدستوري في المغرب مرحلة حاسمة في أعقاب تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة. تتوزع الأجندة المقبلة بين إطلاق المشاورات الحزبية، وبناء التحالف الحكومي، وافتتاح الدورة البرلمانية الأولى في 9 أكتوبر، وصولا إلى عرض البرنامج الحكومي ونيل ثقة البرلمان، في سياق محطات مفصلية تنتظر القيادية الجديدة لتولي قيادة الجهاز التنفيذي.

يفتح تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الجهاز التنفيذي مرحلة مؤسساتية جديدة بعد تشريعيات 23 شتنبر. كما يكرس هذا التعيين التأويل الديمقراطي الصريح لمقتضيات دستور 2011، الذي جعل من صناديق الاقتراع منطلقا حصريا لتشكيل الحكومة، مع منح الأولوية لتسمية زعيم الهيئة السياسية المتصدرة لقيادة الفريق الوزاري.

وينص الفصل 47 من الوثيقة الدستورية بدقة على أن الملك يعين رئيس الحكومة «من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى ضوء نتائجها».

وترجمت الممارسة السياسية هذا المقتضى فعليا منذ دخول الدستور حيز التنفيذ، بتكليف قيادات الأحزاب الفائزة بالرتبة الأولى؛ حيث تم تعيين عبد الإله بنكيران عقب فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 ثم تكرر الأمر في محطة 2016، في حين كلف عزيز أخنوش عقب تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار لنتائج اقتراع 2021.

وتواصل محطة 2026 هذا النهج مع خصوصية تنظيمية ترتبط بحزب الأصالة والمعاصرة، إذ تتولى المنصوري مهمة المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب الفائز بـ97 مقعدا. وبذلك تقع على عاتق المسؤولة الأولى في «البام» مهمة تحويل هذا الفوز الانتخابي إلى أغلبية برلمانية متماسكة، في انسجام تام مع البلاغ الرسمي للديوان الملكي الذي استند صراحة إلى الفصل 47 في تكليفها بتشكيل الحكومة.

انطلاق ماراثون المشاورات الحزبية

تشرع رئيسة الحكومة المعينة فورا في تدشين جولات الحوار والتفاوض مع مختلف المكونات السياسية الممثلة داخل مجلس النواب.

ولا يملك حزب الأصالة والمعاصرة منفردا الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا، بالنظر إلى حيازته 97 مقعدا نيابيا، الأمر الذي يفرض عليه البحث عن شركاء سياسيين لصياغة تحالف متين، وخوض مفاوضات تفصيلية تشمل التركيبة الوزارية، والبرنامج المشترك، وتوزيع الحقائب داخل التشكيلة المرتقبة.

ويحدد الفصل 47 من الدستور تعيين أعضاء الحكومة من لدن الملك باقتراح من رئيس الحكومة، دون أن تقيد الوثيقة الدستورية مسار المفاوضات بسقف زمني محدد لحسم تشكيلة الفريق التنفيذي.

وتعكس التجارب التشريعية السابقة تباينا واضحا في المدد الزمنية المستغرقة لإتمام هذه المرحلة.

ففي اقتراع 2011، جرى تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة في 29 نونبر، بعد أربعة أيام فقط من إعلان نتائج تشريعيات 25 نونبر، لتفضي المفاوضات إلى تحالف ضم العدالة والتنمية، والاستقلال، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وتعلن التشكيلة الرسمية في 3 يناير 2012، حيث واصلت حكومة عباس الفاسي مهامها حتى ذلك التاريخ.

وفي المقابل، واجه مسار تشكيل حكومة 2016 تعثرا لافتا عقب تعيين بنكيران في 10 أكتوبر، إذ طالت مفاوضاته مع الأحزاب لأشهر متتالية دون بلوغ الأغلبية المطلوبة، وانتهت الأزمة بتكليف سعد الدين العثماني في مارس 2017 لإخراج التشكيلة الحكومية إلى النور.

وشهدت تجربة 2021 إيقاعا شديد السرعة، بتعيين عزيز أخنوش في 10 شتنبر غداة فوز الأحرار بالانتخابات التشريعية، حيث قادت المشاورات إلى إرساء تحالف ثلاثي ضم الأحرار، والبام، والاستقلال، لتنال الحكومة التعيين الملكي في 7 أكتوبر، أي بعد 27 يوما من التكليف، قبل أن تنال ثقة مجلس النواب في 13 أكتوبر بأغلبية 213 صوتا مقابل 64 صوتا معارضا وامتناع برلماني واحد، مستكملة مسطرة التنصيب البرلماني طبقا للفصل 88 من الدستور.

وترهن المرحلة الراهنة سرعة الحسم بمدى قدرة المفاوضات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري على نسج أغلبية متوافقة بسلاسة، أو الخضوع لموازين القوى وتوازنات المواقع التي قد تمدد أمد المشاورات.

استحقاق 9 أكتوبر البرلماني

ويتزامن مسار المشاورات الحزبية مع موعد دستوري قار حدده القانون الأساسي للمملكة، يكمن في افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية الجديدة.

وينص الفصل 65 من الدستور على عقد البرلمان لدورتين في السنة، مع انطلاق الدورة الأولى في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، وهو التاريخ المصادف ليوم الجمعة 9 أكتوبر لعام 2026.

وينفصل مسار تشكيل الحكومة عن مسطرة افتتاح الدورة البرلمانية على المستوى الدستوري، بما يسمح بتداخل الجداول الزمنية بين المسارين.

وتقدم محطة 2016 نموذجا واضحا لهذا التمايز، حين ترأس الملك افتتاح السنة التشريعية في 14 أكتوبر، بعد أربعة أيام من تعيين بنكيران، وقبل أن تفرز المشاورات أغلبيتها، الأمر الذي فرض استمرار الحكومة السابقة في تدبير الشأن العام ريثما يكتمل تشكيل الحكومة الجديدة.

وعلى النقيض من ذلك، عرفت سنة 2021 سيناريو متسارعا بتعيين أعضاء الحكومة في 7 أكتوبر، عشية افتتاح الدورة البرلمانية المقررة في 8 أكتوبر، ليوجه الملك في خطابه السامي التهنئة والتمنيات بالنجاح «للحكومة الجديدة».

وتكشف هذه السوابق إمكانية التئام الموعد البرلماني في ظل حكومة تصريف أعمال حال تعثر اكتمال التوافقات الحزبية كما حدث سنة 2016، أو بحضور الفريق التنفيذي المعين كما وقع في 2021.

ويرتبط سيناريو 2026 بالوتيرة الميدانية لمفاوضات المنصوري؛ فهل تحسم هندسة الأغلبية قبل حلول 9 أكتوبر، أم تستهل المؤسسة التشريعية ولايتها بحكومة منتهية الولاية تدبر الأعمال الجارية؟

التصريح الحكومي ومحطة التنصيب

وتعقب خطوة تعيين أعضاء الحكومة مرحلة دستورية حاسمة تسبق ممارسة الصلاحيات التنفيذية كاملة.

ويفرض الفصل 88 من الدستور على رئيس الحكومة التقدم أمام مجلسي البرلمان مجتمعين لعرض الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي المزمع تنفيذه، ليعقب ذلك نقاش داخل كل غرفة برلمانية على حدة، ولا تصبح الحكومة منصبة دستوريا إلا بعد نيل ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه.

تحرير من طرف وديع المودن
في 29/09/2026 على الساعة 19:30