غير أن هذا النقاش في نظر المجلس الوطني لحقوق الإنسان «يقتضي الدقة في عرض الوقائع، واحترام كرامة الضحايا، والتمييز بين النقد المسؤول، من جهة، بإثارة مكامن النقص أو إذا تم التغاضي عن إشكاليات، ومن جهة أخرى، التشكيك الذي يبخس كل المكتسبات ويحجب الإرادة الحقيقة للقطع مع الانتهاكات وينتقص من مشروعية إنصاف المتضررين منها».
وحسب نفس الصمدر فإن «الرهان الحقوقي والسياسي لهذا النقاش يتجاوز الاختلاف بشأن قراءة الماضي؛ فهو يتعلق بمكانة حقوق الإنسان في حاضر البلاد ومستقبلها، وبقدرة المؤسسات والمجتمع على صيانة المكتسبات وتحويل الالتزام بعدم التكرار إلى ضمانات فعلية ومستدامة. إن القرار الطوعي لإحداث آلية الإنصاف والكشف عن الحقيقة هو استمرار لما قامت به هيئة التحكيم المستقلة، وبصرف النظر عن تباين واختلاف زوايا التقييم، فإن تجربة العدالة الانتقالية، أصبحت مشتركا وطنيا يؤطر مختلف جوانب السياسة العامة».
تجربة وطنية بإرادة سيادية وتفاعل مجتمعي
شكل إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة في يناير 2004 «تتويجا لمسار وطني تفاعلت فيه الإرادة الملكية مع ترافع الحركة الحقوقية ومطالب الضحايا وأسرهم وديناميات المجتمع المدني. وقد تبلورت هذه التجربة في إطار استمرارية الدولة، انطلاقا من اختيار سيادي يروم معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعزيز مسار بناء دولة الحق والقانون. ولا تختزل خصوصية التجربة المغربية في مطابقتها لمسار تاريخي عرفته بلدان أخرى؛ إذ تستمد معناها من طبيعة الأسئلة التي تصدت لها، ومن الغايات التي حملتها: الاعتراف بالانتهاكات، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر أضرارهم، وحفظ الذاكرة، وإرساء ضمانات عدم التكرار. إن سيادة هذا الاختيار تتجسد في تحمل مسؤولية مواجهة الماضي. كما أن خصوصيته الوطنية تمنحه سياقه، دون أن تعفيه من مقتضيات حقوق الإنسان أو تجعل منجزاته بمنأى عن التقييم».
كرامة الضحايا أساس المصالحة
واعتبر المجلس بأن الهيئة «انكبت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، وفق مقاربة حقوقية وإنسانية وحضارية وضعت الضحايا ومعاناتهم في صلب عملها، اعترافا بمعاناتهم وذوي حقوقهم وجبر أضرارهم الحقوقية والاجتماعية والإدارية والصحية وإعمال جبر الضرر الجماعي بمناطق عانت من أثر هذه الانتهاكات ورفع العوائق التي حالت دون استفادتها من التنمية».
وفي هذا الإطار «يؤكد المجلس أن حقوق الضحايا لا تتوقف على انتماءاتهم السياسية أو الفكرية أو الجغرافية، ولا يجوز إخضاع الاعتراف بمعاناتهم لمنطق الاصطفاف أو لموازين الخلاف السياسي. ويسري هذا المبدأ على مختلف الملفات، بما فيها تلك المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، حيث تظل كرامة الإنسان وحقه في الإنصاف أساس المعالجة الحقوقية، مهما كانت تعقيدات السياق».
كما يقتضي الإنصاف الانتباه «إلى الآثار المتفاوتة للانتهاكات على النساء والرجال، وإلى معاناة الأسر والمجتمعات المحلية، بما يجعل جبر الضرر مسارا لاستعادة الكرامة والحقوق والإدماج الاجتماعي، يتجاوز التعويض المالي وحده».
الحقيقة التاريخية مجال للبحث الموضوعي، والسياق لا يبرر الانتهاك
ودكر المجلس بأن الهيئة «واجهت صعوبات تتصل بنقص المعطيات، وتعدد الروايات، وتضارب التأويلات بشأن الأحداث التي شهدتها البلاد. وقد فرضت هذه الصعوبات التمييز بين مهام آلية للإنصاف والمصالحة وبين العمل العلمي المفتوح للمؤرخين والباحثين. فلم يكن من مهام الهيئة فرض رواية نهائية للتاريخ أو إغلاق باب البحث فيه. ومن هنا تبرز أهمية إتاحة الأرشيف، وصون الشهادات، وتوفير شروط البحث المستقل، مع حماية المعطيات الشخصية وخصوصية الضحايا وأسرهم».
ويشدد المجلس «على أن فهم السياقات التاريخية والسياسية يساعد على تفسير شروط وقوع الانتهاكات واستخلاص دروسها. فالاختلاف بشأن تفسير حدث تاريخي لا يسقط حق الضحية في الحقيقة والإنصاف، بل إن فهم السياقات يؤسس لوضع وتصميم مرتكزات صلبة للإصلاحات».
مسؤولية الدولة ومدلول المصالحة
وشكل إقرار مسؤولية الدولة «مدخلا مؤسساتيا لتحمل تبعات الانتهاكات وجبر الأضرار الناجمة عنها، وترجمة الاعتراف إلى التزامات تجاه الضحايا والمجتمع. ولا ينبغي تأويل هذا الاختيار باعتباره حكما تاريخيا شاملا على جميع الوقائع والفاعلين، أو إغلاقا لأسئلة المسؤولية. كما أن الطبيعة غير القضائية للهيئة تقتضي التمييز بين اختصاصاتها وبين وظائف القضاء والبحث التاريخي، دون الخلط بينها أو تحميلها ما يتجاوز ولايتها».
وتقوم المقاربة الشاملة للعدالة الانتقالية على ترابط الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار؛ إذ تستمد هذه المكونات قوتها من تكاملها، ومن قدرتها على إعادة الاعتبار للضحايا وتعزيز الثقة في المؤسسات وسيادة القانون.
من الاعتراف بالماضي إلى إصلاح المؤسسات
في هده المسألة اعتبار المجلس بأن هيئة الإنصاف والمصالحة «تكتسب توصيات قيمتها من قدرتها على توجيه الإصلاح وترسيخ ضمانات حماية الحقوق. ويشمل ذلك تعزيز استقلال القضاء، وحكامة الأجهزة الأمنية، وحماية الحريات، وصيانة الأرشيف والذاكرة، والنهوض بالتربية على حقوق الإنسان. وقد شكل الإعلان عن نشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006 وإسناد متابعة تنفيذ توصياتها إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان امتدادا مؤسساتيا لهذا المسار، يتواصل اليوم من خلال عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان».
وبهذه الصفة «يجدد المجلس التزامه بمتابعة تنفيذ التوصيات، وتقييم ما تحقق، وإبراز ما يستدعي استكمالا أو معالجة. فالوفاء للتجربة يقتضي صون منجزاتها والإنصات إلى الأسئلة التي ما تزال تطرحها، وفي مقدمتها انتظارات الضحايا وأسرهم».
التجربة المغربية مرجع للعدالة الانتقالية
يذكر المجلس أن تجربة هيئة الانصاف والمصالحة «كانت موضوع تنويه سواء بمناسبة التقارير الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة ، أو من خلال تقارير المقررين الخاصين بما في ذلك المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضحايا وعدم التكرار والنوع الاجتماعي وحفظ الذاكرة وتوثيق الانتهاكات ومسؤولية الفاعلين غير الدولتين».
كما صنفت التجربة المغربية «في نفس التقرير من التجارب التي تميزت بمركزية الضحايا في المشاورات واستندت على توافق جماعي وخبرة وطنية وأن التجربة المغربية اعتمدت آليات العدالة الانتقالية، باعتبارها هيئات رسمية مؤقتة وغير قضائية وتتولى مهام التقصي والتحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان ومحكومة باختصاص نوعي وزمني ويتمركز موضوعها حول الضحايا وتقدم تقريرا وتوصيات بشأن مداخل الإصلاح الدستوري والمؤسساتي وسيادة حكم القانون وضمانات عدم التكرار».
حقوق الإنسان التزام دائم يحكم الاختيارات العمومية
إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إذ يعتز بما راكمته التجربة المغربية، يؤكد أن المصالحة سيرورة مستمرة، تتعزز كلما اتسعت الحريات، وتوطدت الثقة في المؤسسات، وأصبحت الحماية من التعسف واقعا ملموسا في حياة المواطنات والمواطنين.
ويدعو المجلس مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمدنيين إلى الارتقاء بالنقاش العمومي حول هذه التجربة، على أساس الوقائع والبحث الموضوعي واحترام الضحايا، وإلى جعل دروسها مرتكزات لاستكمال الإصلاح وتعزيز المساءلة.
إن حقوق الإنسان التزام يحكم ممارسة السلطة وتدبير الاختلاف وصياغة السياسات العمومية. وصون كرامة الضحايا مسؤولية وطنية، وكشف الحقيقة حق، وضمان عدم التكرار واجب دائم على الدولة ومؤسساتها. وعلى هذا الأساس، تظل المصالحة وفاء للحقيقة، وإنصافا للضحايا، والتزاما ببناء مستقبل تكون فيه كرامة الجميع مصونة بقوة القانون وفعالية المؤسسات.
