فمن غير المنطقي أن يسمح للموظف أو المستخدم أو الأجير بمتابعة تكوين جامعي خلال التوقيت نفسه الذي يفترض أن يكون فيه حاضرا في مقر عمله. ذلك أن الجمع بين صفتين، لكل منهما التزامات زمنية متزامنة، يفضي بالضرورة إلى وضع غير سليم: فلا الموظف يستطيع أن يكون في مقر عمله وقاعة الدرس في اللحظة نفسها، ولا الجامعة يمكن أن تؤسس تكوينا جادا على الغياب المنتظم، ولا الإدارة أو المقاولة مطالبة بأن تتحمل بصورة دائمة كلفة هذا التعارض.
ومن هنا يأتي التوقيت الميسر ليعيد الأمور إلى منطقها الطبيعي: العمل في وقته، والدراسة في وقت آخر. فهو يمكن المهني من استكمال دراسته مساء أو خلال نهاية الأسبوع، ويحفظ في الوقت نفسه حق جهة العمل في احترام الزمن المهني وحق الجامعة في مطالبة الطالب بالحضور والتحصيل واستيفاء جميع متطلبات التكوين.
إن الأمر، بهذا المعنى، لا يتعلق فقط بإتاحة فرصة إضافية للدراسة، بل بإرساء ثقافة جديدة تقطع مع التساهل الذي جعل، في بعض الممارسات، الجمع بين العمل والدراسة يقوم على ترتيبات ملتبسة: موظف يفترض أن يكون في عمله أثناء وجوده في الجامعة، أو طالب مسجل في تكوين يفترض الحضور بينما تمنعه التزاماته المهنية من الانتظام فيه.
وإذ يرفع التوقيت الميسر هذا التناقض، فهو، في الوقت نفسه، يكرس فلسفة التكوين مدى الحياة؛ فالحصول على وظيفة لا ينبغي أن يعني انتهاء علاقة الإنسان بالجامعة. تتغير المعارف والمهن والتقنيات، ويحتاج المهني إلى تجديد كفاياته أو استكمال مساره الأكاديمي. والجامعة التي تستجيب لهذه الحاجة لا تتنازل عن رسالتها، بل توسعها لترافق المواطن في مختلف مراحل حياته العلمية والمهنية.
ومن هذه الزاوية ينبغي أيضا تفكيك أطروحة أن التوقيت الميسر يمثل تراجعا عن مجانية التعليم العالي؛ فمجانية التكوين الأساسي في التوقيت العادي ما تزال قائمة ولم يمسها هذا النظام. الطالب المتفرغ الذي يدرس في الزمن الجامعي العادي يستمر في الاستفادة من المجانية.
أما المهني الذي يجمع بين العمل والدراسة، فيستفيد من تنظيم خاص خارج التوقيت المعتاد، بما يقتضيه ذلك من تعبئة إضافية للأساتذة والأطر الإدارية والتقنية والمرافق والخدمات الجامعية. أما المفارقة الصارخة فتظهر بصورة أوضح عند مقارنة التوقيت الميسر بالتكوين المستمر. فإذا كان من المقبول، منذ سنوات - ولا زال الأمر على حاله - أن يؤدي الموظف أو الأجير رسوما مقابل تكوين مستمر ينتهي بشهادة جامعية لا تتمتع بصفة الدبلوم الوطني ولا تترتب عنها بالضرورة آثاره الأكاديمية والقانونية والمهنية، فكيف يصبح الأداء مساسا بالمجانية عندما يتعلق الأمر بتكوين أساسي يفضي، عند استيفاء شروطه، إلى دبلوم وطني، بينما لم يكن كذلك عندما كان الأداء يقابل شهادة محدودة الآثار؟
هنا يكمن تناقض حقيقي في بعض المواقف المعترضة: قبول الأداء مقابل شهادة غير وطنية، ورفضه عندما يفتح أمام المهني طريق الحصول على دبلوم وطني. وإذا كان الاعتراض منصبا بالفعل على مبدأ الأداء، فمن المنطقي أن يكون التكوين المستمر المؤدى عنه أول ما يشمله هذا الاعتراض، لا أن يقبل حين تكون حقوق المستفيد أقل وضوحا ثم يرفض عندما تصبح أقوى.
لذلك فالسؤال الصحيح ليس: لماذا يؤدي المستفيد عن التكوين الميسر؟ وإنما: أي تكوين نوفر له؟ وفي أي شروط؟ وأي شهادة يحصل عليها في النهاية؟
«لا يمثل التدريس بالتوقيت الميسر تراجعا عن مجانية التعليم العالي العمومي، بل تصحيحا لوضع لم يعد منطقيا في الوقت الراهن، وطنيا ودوليا، من خلال تنظيم استفادة الفئات التي تمارس نشاطا مهنيا من تكوين جامعي ملائم لأوضاعها»
— عبد الحميد ابن الفاروق
إن التوقيت الميسر، في فلسفته، محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة: تصحيح التعارض بين زمن العمل وزمن الدراسة، والقطع مع ممارسات غير سليمة ترسخت بفعل الاعتياد وعدم الجرأة على تصحيح وضع غير سليم، وإتاحة التكوين مدى الحياة للموظفين والمأجورين وباقي المهنيين، وضمان وضوح المسار المؤدي إلى الدبلوم الوطني.
ويبقى الشرط الحاسم لنجاحه أن تكون المرونة في التوقيت وحده، لا في المعايير. فالحضور والتأطير والحجم الزمني والتقييم والامتحانات والبحث يجب أن تظل خاضعة للصرامة نفسها التي تتحكم في الدراسة في التوقيت العادي: فالتوقيت الميسر يغير الساعة التي يدخل فيها الطالب إلى الجامعة؛ ولا ينبغي له أن يغير، بأي حال من الأحوال، قيمة الدبلوم الذي يخرج به منها.
وهكذا، فإن المسألة أبعد من جدل المجانية والأداء. إنها انتقال من وضع كان يتعايش مع تناقضاته إلى نظام يسعى إلى معالجتها: جامعة تحافظ على مجانية التكوين الأساسي في توقيته العادي، وتفتح أبوابها أمام المهنيين طوال حياتهم، وتحترم زمن العمل كما تحترم زمن الدراسة، وتقطع مع الالتباس بين الشهادات، وتحافظ، قبل كل شيء، على قيمة الدبلوم الوطني ومصداقية الجامعة العمومية.
خلاصة القول: لا يمثل التدريس بالتوقيت الميسر تراجعا عن مجانية التعليم العالي العمومي، بل تصحيحا لوضع لم يعد منطقيا في الوقت الراهن، وطنيا ودوليا، من خلال تنظيم استفادة الفئات التي تمارس نشاطا مهنيا من تكوين جامعي ملائم لأوضاعها. وقد كرس القانون رقم 59.24 هذا التوجه بإقراره أداء رسوم بالنسبة إلى الفئات المعنية، بما يجعلها تنزيلا لمقتضى تشريعي لا مساسا بمبدأ المجانية.
